خالد صلاح

أكرم القصاص

مروة.. بعد فوات الأوان

الجمعة، 17 يوليه 2009 12:00 ص

إضافة تعليق
مثلما فعلنا كل مرة، وسنفعل.. أوصلنا حناجرنا إلى أعلى درجات الصراخ والتهديد والوعيد، طالبنا وزايدنا على بعضنا وعلى الآخرين. وانتهت قضية استشهاد مروة الشربينى إلى مجرد مظاهرات بائسة، هستيرية أغلقت «على مافيش».

ولم يبد أحد ممن أبدوا الغضب مشغولا بأكثر من حنجرته. لم نعتد أن نعطى كل شىء حقه، ولا نفكر أو نتناقش، لنعرف ماذا نريد أو ماذا سنفعل. بل نحتقر كل رأى يطالبنا بالعقل. طالبنا بالانتقام من ألمانيا. نددنا بعنصرية الغرب ونسينا عنصريتنا وأنفسنا.

نحن نحترف خسارة كل قضايانا. وإلا فليقل لى عاقل أين ذهبت مظاهرات الغضب ودموع التماسيح التى ذرفها أصدقاء الفضائيات، والمسئولون الذين اعتدنا رؤيتهم فى الجنازات الرسمية بالنظارات السوداء وهالات الحزن البيروقراطى؟ هؤلاء اضطروا للنزول حتى لايخسروا الجمهور، الذى لا يعيرونه اهتماما فى الأساس. وكانت دموع أمهات وأخوات لا يعرفن مروة أصدق من هؤلاء الممثلين.

أزعم أننى أكتب بعد أن انتهى اهتمام الناس بموضوع مروة، بعد أن قضوا وطرا فى الصراخ والهستيريا واكتفوا برفع سقف المزايدات حتى لايكلفوا أنفسهم اقتراحا قابلا للتنفيذ يجعل عليهم واجبا جديدا. هكذا فعلنا مع مروة ومن قبلها ومن سيأتى بعدها، احترفنا التعبير عن الغضب من حناجرنا، ونحتقر من يدعو لتشغيل العقل والاستفادة من مصائبنا.

فعلنا ذلك مع الرسوم الدنماركية وصعدنا إلى أعلى مراحل الغضب والتظاهر وحولنا الأمر إلى قضية دينية مع أننا نمتلك تحويل القضية إلى قضية دفاع عن حرية الرأى وحرب على العنصرية العرقية والدينية التى تنتشر بيننا وبين غيرنا بشكل كبير، وبيننا كثيرون ممن يصرخون ضد العنصرية الألمانية ويرون أنهم أفضل من الآخرين، ولا يختلفون كثيرا عن العنصرى الجاهل الذى اغتال مروة.

وأعتقد أن الغاضبين انصرفوا بعد أن شبعوا صراخا ومزايدات، لكنى أتصور أن قضية استشهاد مروة يمكن أن تتحول إلى دعوة لمواجهة الكراهية والعنصرية. وألا تختصر فى قضية دينية، ورأينا مسيحيين فى ألمانيا غضبوا لاستشهادها، ورأينا بيانات الإدانة من أقباط المهجر، وأحزان أخوات مروة وصديقاتها المسيحيات. مروة يجب أن تتحول إلى رمز لحرية الرأى ومقاومة الكراهية. أن يكون لكل إنسان الحق فى اعتقاد وارتداء ما يريد طالما لا يؤذى الآخرين ولا يضرهم.

وليس كل أنصار الحجاب وخصومه يقدرون حرية الرأى. فهو ليس رمزا دينيا بل رمز حضارى. وكان من الممكن أن تسقط مروة ضحية الكراهية حتى لو لم تكن محجبة، وهناك إحصائيات عن أجانب يتعرضون للاعتداء والاضطهاد فى بعض دول أوروبا دون أن يكونوا مسلمين أو محجبات.

كثير من محترفى الغضب الحناجرى خرجوا بالعدوى، وحولوا الأمر إلى قضية دينية وليس نضالا ضد العنصرية والعرقية. فالقاتل ينتمى إلى قطاع فى أوروبا يكره الأجانب، ليس بسبب دينهم أو لونهم فقط لكن استنادا إلى أفكار التفوق النازى التى تصور لهم أنهم أفضل من غيرهم. وينظرون للمسلمين والعرب استنادا لصورة يتم ترويجها لشيوخ القتل والإرهاب، كما قال الروائى الصديق علاء الأسوانى. لديهم عنصريون ونحن أيضا.

كان الأجدى ألا نختصر استشهاد مروة الشربينى فى كونها قضية دينية موجهة إلى الإسلام لأن القاتل جاهل مثل كل عنصرى، لا يعرف الفرق بين الإسلام والمسيحية، مثل كل العنصريين الجهلاء.

ولا يمكن التشكيك فى مشاعر من حزنوا على اغتيال مروة، لكنى أشك فى أن كثيرين منهم اهتموا بها بقدر ما اهتموا بأنفسهم. الشخص الوحيد الذى بدا أكثر فهما مع أنه أكثر من أصابهم استشهاد مروة بجرح، هو والدها الذى ليس لأحد أن يزايد عليه، فقد فوت فرصة كثيرين لتحويل القضية إلى حرب دينية. وتحدث عنها بصفتها تكشف عن سوء الفهم والعنصرية والجهل لدى القاتل وأمثاله.

ونرى أن أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام اختصرت فى مظاهرات وهستيريا وانتهت بملصقات على جدراننا نحن، وانتهت ومثلها قضية مروة دون نتيجة. لأن الغاضبين لم يوجهوا غضبهم ضد كل من يهين اعتقادات الآخرين، أو يرتكب عملا إرهابيا ضد الأبرياء والمدنيين فى أوروبا. ويقدموا الصورة الحقيقية للإسلام، التسامح والتعايش والحرية، وهى صفات اختفت خلف صراخ المزايدين وتشنج المتطرفين.
كم نحتاج أن نبكى على أنفسنا مثلما نتباكى على مروة.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة