مرتضى بدر الدين يكتب: أنا المصرى

الخميس، 16 يوليو 2009 02:03 م
مرتضى بدر الدين يكتب: أنا المصرى

كمصرى مغترب أقر وأعترف أننا نعيش فى الدرك الأسفل، قياسا على الجنسيات الأخرى التى تلقى رعاية واهتماما من ساستها ومتخذى القرار فى بلدانها الذى ينعكس بالتبعية على وزارة خارجيتها وقنصلياتها وسفاراتها، ومن ثم على رعاياها بالخارج، إن تجربة الغربة فى حد ذاتها تجربة مريرة وقاسية ولا يدفعنا إليها إلا ضيق ذات اليد فى بلادنا أو رغبة فى تحسين مستوى المعيشة.

ولا أخفيكم سرا أن ما وصل إليه حال المصريين بالخارج من تردى وامتهان لكرامتهم وعبثا بمقدراتهم إنما مرجعه الأساسى إلى عاملين هامين، وأولهما هو المصرى نفسه الذى يقدم تنازلات هو فى غنى عنها، إما خوفا أو حرصا أو كلاهما معا والعامل الثانى هو عدم وجود راعٍ لمصالح المصريين الذى يتمثل فى سفير أو وزير أو حتى شيخ خفر نظامى يدافع عن حقوقهم، فلو اطلعتم على منظومة استقدام عامل فلبينى أو سيرلانكى أو هندى أو نيبالى أو أى جنسية كانت تجدونها نفس المنظومة، فإن كفيل العمل يتقدم إلى أحد مكاتب الاستقدام المرخصة فى بلد المنشأ والتى غالبا ما تكون مسجلة بسفارة البلد المضيف، فيقوم المكتب بترشيح عدد من العمال على حسب الوظائف المطلوبة يختار منها كفيل العمل ما يناسبه، وفقا لمتطلباته، من بعدها يقوم مكتب الاستقدام بإرسال صورة جواز السفر وصور عن المستندات المطلوبة معززة بنتيجة الكشف الطبى، والخطوة التالية يقوم كفيل العمل بإرسال عقد عمل موثق من سفارة البلد المضيف والخارجية وإرساله إلى مكتب الاستقدام بعد مناقشة بنود العقد والاتفاق على الراتب، يقوم كفيل العمل باستخراج تصريح العمل – الفيزا – ويقوم بحجز تذاكر الطيران للعامل القادم، وبعد وصوله إلى البلد يقوم كفيل العمل بتجهيز اللازم للإقامة، ومن ثم يبدأ العامل فى مزاولة العمل المنوط به ممارسته، وأى اختلاف فى طبيعة العمل أو الراتب المتفق عليه يعترض العامل ويلجأ إلى سفارة بلده التى تكون خير معين له وتنصره فورا.

أما استقدام المصريين فأشبه ما يكون باستقدام شحنة خضار أو أثاث أو أى شىء خلاف البنى أدمين، فأى أحد يمكن له أن يستقدم صديقا أو قريبا له دون مكتب ولا يحزنون ولا حاجة لعقد ولا حاجة لتحديد نوع العمل، وغالبا ما يأتى المصرى دون علم السفارة، ومن هنا تبدأ المشاكل فتجد عاملا حاصل على مؤهل عال، ويعمل فى مطعم وبناء ويعمل فى وظيفة إدارية أو سائق ويعمل محصلا وهم فى الغالب غير أكفاء لوظائفهم، وإذا ما سألته عن شىء لا يمكن أن يقول لك إنه لا يعرف فهو صباغ وبناء ومهندس ديكور ومقاول أنفار ومحفظ قرآن ومشغل معدات، المصرى يعرف كل شىء عن كل كل شىء وهو لا يعرف شيئا.

إن هذا الوضع من شأنه أن يترتب عليه العديد من المشاكل والأزمات، وبطبيعة الحال تجد كفيل العمل لا يرضى عنه ويبدأ فى احتقاره وكثيرا فى اضطهاده، هل تدرى أن المصريين فى الغربة يخشون الذهاب إلى السفارة، لأنهم إن ذهبوا فهم فى الغالب، أما فى الجانب الخاطئ أو أنهم لا يلقون الرعاية والاهتمام المطلوب، لذا لا يرغبون فى الذهاب إلى سفارتهم.

إن طبيعة المصريين هى التى توردهم المهالك، وأنا هنا لا أعفى الخارجية أو السفارات فى الخارج من الدور المنوط به القيام به، لكن فى الوقت نفسه إنسان تربى على مفردات ومفاهيم مثل التحايل على أكل العيش "التجارة شطارة، الفهلوة، كله عند العرب صابون، أهو أدينا عايشين، وما حدش بياكلها بالساهل، يا عم طنش، ما حدش واخد باله، نفض" وكلها مفاهيم تؤصل فى الذات الاتكالية والطناش وعدم الضمير ولا تدفع للبحث والجد والعمل القائم على أصول علمية ومفاهيم صادقة ليست خادعة أو وهمية.

قبل أن نلوم الحكومات على عدم الاهتمام بنا، ونشتكى أن الغرباء لا يضعون لنا وزنا، يجب أن ننظر إلى أنفسنا وإلى أحوالنا، إننا نحتاج إلى أن نفيق من الغيبوبة التى نحن فيها، فالأمر لم يصبح كما كان ولم يعد كل شىء عند العرب صابونا.

يجب أن تبذل الحكومة جهدا أكبر فى كسر حاجز الرهبة والخوف لدى المصرى لتدفعه، لكى يلجأ إلى السفارة، ولكن لابد أن يكون صاحب حق ولديه أدلة وبراهين على هذا الحق لا أن يأتى إلى الغربة بدون عقد عمل أو عقد عمل وهمى وبدون أية ضمانات ومن بعدها تشتكى، على ماذا تشتكى ومن دفعك إلى ارتكاب كل هذه الحماقات ومن بعدها تقول هل من معين ؟

لا بد أن تكون هناك جهة واحدة هى المسئولة عن المصريين بالخارج تنظم أحوالهم، تنظر فى عقودهم، تقدم لهم النصيحة والإرشادات، تتابعهم فى الغربة، توقع اتفاقيات مع البلدان المضيفة بعقود عمل موحدة للمصريين، تنظم دخولهم وخروجهم من البلاد، تستقبلهم بحفاوة بدلا من نظرات الازدراء والاحتقار التى نواجهها فى حال عودتنا، تدعمهم نفسيا ومعنويا، تنظم المؤتمرات والفعاليات لمناقشة مشاكلهم وإيجاد الحلول لها، ترسل مندوبيها لمقار أعمالهم وتجمعاتهم، تتفقد معيشتهم وسوءا أكانوا أُسَرا أو فُرَادى، تقيم لهم المدارس لتعليم أبنائهم، توفر لهم خدمات البريد والسفر والشحن والتطبب وإذا استدعى الأمر التداوى، لا مانع من يكون هناك تأمين على حياتهم وأموالهم ومصالحهم، تعرف مدخراتهم، تقدم لهم المعونة والاستشارة فى استثماراتهم، وبالطبع لابد أن يكون ذلك مجانا، لأن هذا دور الدولة بدلا من تركهم فريسة فى يد العابثين والنصابين، ومن هنا سوف تكون للمصرى كرامة وشأن ويمكن ساعتها أن يقول، أنا المصرى.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة