خالد صلاح

فاطمة ناعوت

المواطَنة ودرس الفلسفة

الخميس، 04 يونيو 2009 09:53 م

إضافة تعليق
طرحتُ فى المقال السابق أمنيتى الملحّة فى ردّ الأشياءِ إلى أسمائها الأولى. ومحاولة استخلاص المصطلحات من طبقاتِ التراكمات الإرثية التى دثّرت نسغَها الأول فى محاولة استعادة جوهرها النقيّ الأول التى صُكّت عليه فى بادئ الأمر. وتكلمنا عن مصطلح العقيدة بوصفها علاقةً ثنائيةً بين العبدِ وبين الربّ، الذى اختاره عقلُه واقتنع به خالقًا هذا الكون.

علاقةٌ ثنائية لا دخلَ لثالث بها، أيًّا كان هذا الثالث. فعلاقتى بربى لا دخل لأبى بها أو لابنى، وبالتالى لا دخلَ لأيّ آخر بها. لأنها علاقةٌ روحيةٌ ذهنية. تأمَّلَ ذهنى الكونَ، فارتاح لفكرة محددة حول طبيعة هذا الإله الذى خلقنى وخلقَ الكون، ثم ارتاحت روحى لهذه الفكرة، فاعتنقتُ هذه العقيدةَ دون سواها من عقائد. وعليَّ «وحدى»، من ثم، أن أتحمّل تبعات هذا الاختيار وذلك الاعتناق يوم الحساب. لكلّ هذا لا تبرحنى الدهشةُ حينما أنظر حولى لأكتشف أننا جميعًا، عدا استثناءات جدّ قليلة، قد ورثنا الدينَ إرثًا عن آبائنا من دون أدنى تأمُّل، وتقريبًا دون اختيار. هذا يدهشنى.

أما ما يحنقنى فهو أن نتناحرَ ونتقاتلَ من أجل ما ورثنا! فأزعمُ أنا أن عقيدتى الصوابُ وكل ما عداها خطأ، ويزعم غيرى، من أبناء العقيدة الأخرى، أنه الصوابُ وأنى على خطأ، فنتساجلُ، ثم نتناحرُ، ثم يقتلنى أو أقتله!! عبثٌ أىّ عبث!

ما يعنينى فى هذا المقال هو مفردةٌ أخرى شُوّهَت، أيضًا، جرّاء تناولها عبر الزمن فى غير مواضعها، وربطْها بزوائدَ منبتّةِ الصلة، فحُمّلتْ بغير ما يحملُ جوهرُها العميق. المواطَنة.
فإذا كانت العقيدة علاقةً ثنائية بين الإنسان وبين السماء، علاقةً فردانية غيرَ مجتمعية. فإن المواطَنة، على عكس ذلك، علاقةٌ مجتمعيةٌ بشكل رئيسى. علاقةٌ بين الإنسان من ناحية، وبين بقعة أرض، ومَن يعيشون فوق هذه البقعة من الأرض، من ناحية أخرى.

وإن كانت العقيدةُ علاقةً لم يصنعها الإنسانُ، بل وجدها قبل نشأته، فآمنَ بما آمنَ وانصرفَ عما لم يؤمن، فإن المواطَنةَ علاقةٌ اجتهد الإنسانُ منذ نشوء المدينة لوضع مواثيقَ لها وأعراف ارتضاها هو ومَن يعيشون معه، وارتضتها تلك البقعةُ من الأرض: الوطن. هو عَقْدٌ بينى وبين وطنى. لا دخل لعقيدتى فيه. أؤدى واجباتى كاملةً تجاه وطنى، من صوْن أمنه واسمه وحماية ممتلكاته ورعاية بيئته والمحافظة على موارده فضلاً عن تنميتها بما أدفع من ضرائب وما أقدم من عمل، وهلم جرّا من واجبات، على أن أحصل على حقوقى على وطنى من تعليمى ورعايتى النفسية والصحية والأمنية، وهلمَّ جرا من حقوق. فإن تعددت العقائدُ أو الطوائفُ الدينية بين أبناء الوطن الواحد، فعليه، أعنى على الوطن، أن يساوىَ ويعدلَ، تمامَ العدل، بين أولئك الأبناء. فإن كان ما سبق من طرح، هو المعنى الصحيح الأوليُّ، كما أفهمه، لمفردتىْ «العقيدة»، كما فى المقال السابق، و«المواطَنة»، كما هنا، فيحقُّ لى أن أندهشَ، وأغضب، أنا المسلمةَ، حينما أفتح كتابَ الفلسفة مع صغيرى فى الثانوية لنذاكر معًا درس الفلسفة، وما قاله الفلاسفةُ للتدليل على أن الدينَ لا يتعارض مع الفلسفة والفكر، فأجد نصوصًا قرآنية تحضُّ على إعمال العقل بما يعنى انتفاء ذلك التناقض المزعوم، أقلبُ الصفحةَ لأقرأ ما ذكره الإنجيل فى الشأن ذاته، فأجد الدرس قد انتهى! أسأل ابنى: أين بقية الدرس؟ وماذا عن المسيحية؟ وماذا عن زميلك المسيحى الجالس جوارك فى الفصل؟ فيقول: هو كده، الدين يعنى الإسلام وخلاص. وسؤالى الآن لوزارة التعليم: هل ستختلُّ المنظومةُ العقلية والثقافية لدى هؤلاء التلامذة، لو تجاورت آياتٌ من الإنجيل مع آيات القرآن الكريم فى كتابى الفلسفة والقراءة؟ أليست تلك المجاورة، لو حدثت، ستُعدُّ إثراءً لوعيهم وثقافتهم؟ وتتبع سؤالى هذا تحيةٌ لوزارة الداخلية التى سمحت بكتابة «-» شَرْطَة، بخانة «الديانة» فى بطاقة بعض البهائيين، على أمل اكتمال امتناننا حينما تُلغى تلك الخانةُ نهائيًّا من بطاقة الهوية، التى هى عقْدُ مواطَنة بين المواطن والوطن، لا دخل فيها للديانة.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة