لا شك أن الأزمة المالية العالمية ستظل تلقى بظلالها على كافة المتغيرات الاقتصادية خلال الأعوام القادمة. كما أنه ما من شك فى أن تلك الأزمة تنطوى على عدد من الفرص كما تحمل فى طياتها العديد من التحديات للاقتصاد المصرى الناشئ.
والتحديات التى تحدق بمصر بها خلال العام الحالى. فمعدلات النمو الاقتصادى التى ظل الاقتصاد المصرى ينمو بها خلال الأعوام الأربعة السابقة لم يعد من الممكن تكرارها خلال عام 2009، كما أن حركة التوسع العمرانى والامتداد الخرسانى بصحراوات مصر القريبة من الوادى والدلتا هى أيضاً مهددة بالتباطؤ الذى عادة ما يصاحب تدنى الأجور وتراجع القدرة الشرائية لدى قطاعات واسعة من السكان سواء المصريون أو العرب المقيمون من الأعراض المتوقعة أيضاً خلال عام 2009 كساد بعض السلع والتراجع الحاد فى أسعار البعض الآخر، الأمر الذى يضر بمصالح الطبقة المنتجة ولا يعود بكثير من النفع على الطبقة المستهلكة التى ترزح بالفعل تحت وطأة معدلات تضخم مرتفعة للغاية والتى ما إن تخف حدتها نسبياً فلن تنتج إلا مزيداً من الاستهلاك، فليس من المنتظر أن يتحول الجزء الذى تم توفيره من الدخل نحو الادخار نظراً لتدنى مستويات الأجور واتساع رقعة البطالة التى تم تناولها من قبل. وعلى ما تقدم فإن الدورة الاقتصادية التى تعيشها اقتصادات العالم فى الوقت الراهن ربما تنذر بمزيد من تفشى مظاهر الكساد التضخمى بمصر.
من ناحية أخرى تحظى مصر بفرص هائلة، خاصة ما يتعلق منها بجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وتتوقف تلك الفرص على إدراكنا الجيد لطبيعة العوامل النفسية التى تحكم سلوك المستثمرين فى فترات الأزمات.. فالبورصة المصرية التى شهدت تراجعاً حاداً فى عائداتها على خلفية الأزمة وتحديداً منذ سبتمبر الماضى، لم يكن تراجعها إلا نتيجة لتضافر عوامل غير موائمة أفرزها السوق المصرى منذ مايو 2008 وعوامل ذاتية نابعة من قلب السوق التى تضخمت فيها أسعار كثير من الأوراق المالية حتى صارت مضاعفات الربحية لمعظم أسهم الشركات المتداولة بالبورصة غير تنافسية. وبالتالى فقد كان من المتوقع أن يتعامل المستثمر فى البورصة مع تلك الأسعار من منظور الفقاعة التى لن تصمد طويلاً فى مواجهة رياح الأزمة المالية العاتية. ولكن التنوع الذى تتمتع به البورصة المصرية من خلال تنوع القطاعات النشطة بها، والنتائج المالية الطيبة نسبياً الى تحققت لدى كثير من الشركات كان لها بالغ الأثر فى احتواء هذا الأثر النفسى السلبى.
كما أن التميز النسبى الذى تنعم به البورصة المصرية فى محيطها الإقليمى يجعل منها بديلاً جيداً لتلقى استثمارات ضلت طريقها إلى أسواق خليجية تنتظر قطاعاتها المصرفية أزمات ائتمانية لا تقل خطورة عن نظيراتها فى أوروبا وأمريكا، كما أن السمعة العالمية التى اكتسبتها بورصاتها لم تكن سوى انعكاس لقدرة تلك البورصات على الدخول فى مشروعات شراكة مع بورصات عالمية واستثمار أموالها فى شراء حصص بتلك البورصات. أما على صعيد التداول- وهو النشاط الفعلى للبورصات - فقد ظل متواضعاً لا يعكس ذلك الصخب الإعلامى الممول. كما أن الكوادر البشرية المصرية المتميزة العاملة فى القطاع المالى غير المصرفى، كان لها دور هام فى إقناع المستثمر الأجنبى بأن السوق المصرية تنطوى على فرص كامنة لم تستغل بعد. وكم أثرت فى مقولة لأحد كبار المسئولين بوزارة التجارة الأمريكية متحدثاً إلىّ عن الكفاءات المصرية مقارنة بالدول المحيطة "إنهم يمكن أن يبرعوا فى ردم مياه البحر، أما دون ذلك فلن تجد العقول إلا بمصر".
* مدير إدارتى المخاطر والرقابة على التداول بالبورصة المصرية
خبير بالمحاكم الاقتصادية
مدحت أنور يكتب:2009 عام الفرص والتحديات بسوق المال المصرية
السبت، 13 يونيو 2009 10:58 ص