خالد صلاح

أكرم القصاص

أنفلونزا "لو"

الأربعاء، 06 مايو 2009 10:52 ص

إضافة تعليق
عندما قال العالم إن أنفلونزا الخنازير خطيرة ومرعبة قلنا " آمين"، ومن يومها لم نتوقف عن نشر الرعب لأنفسنا وغيرنا، نقلا عن الإعلام الغربى والعالمى. تركت الحكومة مهامها فى مقاومة أنفلونزا الطيور وتفرغت للخنازير، ويمكن أن تترك كل هذا لو ظهر فيروس جديد يصيب السمك أو ربما يصيب اللب الأسود والحمام الأبيض.

يوميا تتبارى الصحافة والإعلام فى الانفراد بنشر الرعب، الذى لم نر منه حتى الآن شيئا. الدرجة الخامسة وفى انتظار السادسة ولو وصلت للسابعة، يومها ستكون البشرية مهددة.
القضية كلها معلقة على "لو".. لو وصلت أنفلونزا الخنازير للدرجة السادسة ستكون مصيبة، لو تحور الفيروس ستكون كارثة، ولو انتقل إلى المعيز والبقر ستصبح واقعة.. ولو وصل الوباء إلى مصر سيموت 18 مليونا، مانعرفش ليه مش خمسين وليه مش 10 ملايين.
الأنفلونزا أصابت الإعلام قبل أن تصيب الدجاج والخنازير والطيور. الرعب هنا افتراضى وإعلامى أكثر منه حقيقى. والزن على الآذان والعيون أشد من السحر ومن الفيروس. أسبوعان والعالم كله يتبادل الصور والبيانات والتحذيرات. وينتقل الرعب أسرع من أى فيروس. ويكاد البشر يشعرون كأن حربا عالمية ثالثة اندلعت. مع أننا لم نر سوى شبهات واشتباهات وشكوكا مقرونة بالتوجسات.. ولولا البيانات الحربية التى ينقلها الإعلام عن المنظمات الدولية الكبرى ما شعرنا بشيء، والخواجة عادة لا يكذب، خاصة إذا كانوا من المتحدثين الرسميين ذوى الياقات البيضاء والوجوه السوادء والحمراء والبيضاء.

إذا أصيب خنزير مكسيكى بالأنفلونزا عطس له العالم. وقال " آمين" حتى من قبل أن نعرف ماهو المرض، وكل مالدينا من معلومات منقول نصا عن الوكالات الأجنبية. لا يوجد خبر محلى واحد.. نردد أن مرض الأنفلونزا قاتل وفتاك ورهيب ومريع ومدمر وأن مواطنا مات بأنفلونزا الخنازير فى المكسيك، والرئيس الأمريكى معرض للإصابة. جرينا وراء كل هذا بسرعة وتناولناه مع إفطارنا وغدائنا وعشائنا.

مع أنفلونزا الطيور التى ظلت تقترب، نحن لا نصدق، نخاف من اتخاذ قرار بإعدام الطيور ونحن دولة جزء من اقتصادنا يقوم على صناعة الدواجن. ولما جاءت الأنفلونزا لم نستطع لها صدا ولا ردا حتى أصبحت مصر بؤرة، مع أننا أعدمنا دواجن كثيرة ومنعنا تجارتها، وصادرناها. ومع الخنازير قررنا الذبح والإعدام مع أن كل المتخصصين بمن فيهم وزير الصحة قالوا إن إعدام الخنازير لا يقينا من أنفلونزا الخنازير.. ومع ذلك سارع بعض هواة الحلول السهلة بالإعلان عن أن الخنازير فى الأساس محرمة وحولوها إلى مشكلة طائفية فهى محرمة بنص قاطع .. حولوها إلى انتصار دينى لولا أن الأمر بدأ مع الطيور وهى غير محرمة . هى أنفلونزا لا علاقة لها بالعقيدة. هل نحتاج إلى بعض من" نظرية المؤامرة"، لنتساءل : أين ذهب جنون البقر الذى أصابنا جنونه قبل أعوام، ونصبنا المناحات والتحذيرات، وانتهى الأمر ولم نعلم ما إذا كان وهما أم حقيقة.

الأنفلونزا كانت قاتلة قبل الطيور والخنازير .. أو كلاب أو سمك أو حتى سجق. فهذا الفيروس مثل كل فيروس سريع التحور سهل الانتقال خطير التأثير، وقبل أن يعرف العالم اسمه قتل من سكان العالم ملايين فى القرن التاسع عشر والعشرين. وكان يحدث بشكل غير متوقع، عادة كل 10-40 سنة، ويصيب نصف السكان ويترك ملايين الموتى على مستوى العالم. وأشهر انتشار وبائى للأنفلونزا كان عام 1918 وقتل 40 مليون شخص فى العالم. وحتى ذاك الوقت لم يكن الفيروس معروفا وبعدها نشطت البحوث وتم اكتشاف الفيروس عام 1933.

الأنفلونزا إذن قاتلة على كل الأحوال، خاصة فى نوعها الحاد، والخطر فى الانتشار الوبائي، ودائما تنتشر بشكل وبائي، لكنه لايكون قاتلا، يحدث فى المدارس والأعمال والمنازل والشوارع ووسائل المواصلات، وربما يزيد من تحورها انتقالها إلى طيور أو حيوانات أخرى ولا مانع من أن تنتقل إلى البقر أو الحمير أو غيرها. كثير من المصريين مازالوا حتى الآن لا يشعرون بخطر أنفلونزا الطيور، كما تصورها تقارير الصحة العالمية. ويرون أن الغرب وأوروبا يبالغون فى المسألة، ربما لأن قيمة البنى آدم عندهم أكبر كثيرا من قيمته عندنا.

وقد لاحظ أحد ركاب المترو وكان يقلب فى الجريدة ويقرأ عناوين مرعبة عن أنفلونزا الخنازير التى تجتاح العالم والخطر رقم خمسة والخطر السادس. فالتفت جاره وقال : ياعم كله هجص، دى أمريكا عاملة الأزمة كلها عشان تخوفنا وتلم فلوس جديدة. والتفت آخر تبدو من هيئته أنه موظف قطاع خاص : لا دى إسرائيل أنا سمعتها من الشيخ... وذكر اسم نجم فضائى من رجال الفتوى. فبادره ثالث متسائلا : إسرائيل هتنشر مرض يموتها هى كمان ؟ فرد عليه الرجل على طريقة الأهلى والزمالك : هم اليهود ورا كل حاجة. ودخل رابع على الخط وقال هى فين الأنفلونزا دى من يوم ما قالوا أنفلونزا الطيور موتت 24 واحد، ودول بيموتوا فى حادثة ميكروباص.. بس بيوت الناس اتخربت وأعدموا الفراخ. وجايين على الخنازير..

تساءلت بينى وبين نفسى: إذا كانت الحكومة ترفع الطوارئ أمام خطر محتمل يقوم على " لو"، لماذا لا تتشطر بهذه الطريقة وترفع الطوارئ من أجل فيروس الكبد الوبائى الذى يقتل 30 ألفا سنويا ويصيب 10 ملايين مصرى على أقل تقدير ويخرب بيوت كثيرة. وهو تهديد وبائى للأمن المصرى ولصحة المواطنين. هل تحتاج الحكومة إلى تحذيرات دولية للتحرك فى مواجهة الفيروس الكبدى والفشل الكلوى والسرطان والتلوث.. وللحديث كمالة إن لم نمت بأنفلونزا اللهو الخفى.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة