محمد حمدى

انتحار رئيس!

الأحد، 24 مايو 2009 01:19 م


"روه مو هيون" اسم ربما لا يعرفه الكثيرون فى مصر، رغم أنه كان ملء السمع والأبصار خلال فترة رئاسته لكوريا الجنوبية من 2002 إلى 2008، واختفى عن الأضواء قليلاً ثم عاد للظهور قبل يومين برسالة قال فيها "لقد تسببت فى معاناة الكثيرين، الحياة والموت أمر واحد، الرجاء حرق جثتى وإقامة نصب تذكارى فى القرية".

ووضع الرئيس الكورى الجنوبى السابق حداً لحياته بيده، وألقى بنفسه من فوق قمة جبل فلقى مصرعه على الفور، بعد أن تم التحقيق معه أكثر من مرة فى تهم متعلقة بالفساد، ورغم أن الرئيس الكورى السابق أعطى ضميره إجازة خلال ولايته، وسمح لنفسه بالتربح من منصبه السياسى، إلا أنه لم يعد يتحمل بعد ذلك تأنيب الضمير، فانتحر من قمة الجبل لكن مواطنى قريته لن يقيموا نصباً تذكارياً له، وإنما سيحرقون جثته وهو غير مأسوف عليه.

فى مصر تلاحق الاتهامات بالفساد الكثير من المسئولين، لكن نادراً ما يتم التحقيق مع أحد، وغالباً ما يخرجون من الوزارة أو المنصب التنفيذى المهم ليستمتعوا بأموالهم دون أن يلاحقهم أحد، لدرجة أن وزيراً سابقاً فاقت ثروته أربعة مليارات جنيه، وغيره كثيرون لكن لا أحد منهم يشعر بأى لحظة ندم.

وفى بريطانيا فضيحة كبرى تهز المجتمع بسبب المخصصات التى حصل عليها نواب من الحكومة والمعارضة ووزراء لتأسيس شقق سكنية خاصة، أدت إلى أزمات سياسية واستقالات وأنهت المستقبل السياسى لعدد من النواب والوزراء، وقد تؤدى إلى تحول حزب المحافظين من مقاعد الحكم إلى المعارضة فى المستقبل.

وفى مصر يدخل بعض النواب مجلس الشعب وهم على "الحديدة"، ويخرجون منه بملايين لا تعد ولا تحصى، وتتحول الحصانة من آلية لحماية النائب للقيام بواجبه تجاه الوطن والمواطن والرقابة على السلطة التنفيذية إلى آلية لجمع الأموال والامتيازات والثراء الفاحش.

الفرق بيننا وبين كوريا وبريطانيا، أن القانون هناك يسرى على الجميع، يمكن للسياسى فى السلطة ممارسة الفساد المالى والسياسى، لكنه فى كل الأحوال ليس بعيداً عن رقابة الرأى العام، ولا يتمتع بأية حصانة حين يتم الكشف عن فساده، فيخضع للقانون مثله مثل أى مواطن لا يملاك مالاً أو نفوذاً.

فى مصر تبدو جميع آليات الرقابة معطلة، إن وجدت، فمثلاً لا يوجد قانون لمحاكمة الوزراء، ولا يلتزم أى مسئول بإعلان ذمته المالية قبل وبعد المنصب، ولدينا نص دستورى يمنع النواب والوزراء والموظفين العموميين من التعامل مع الجهات الحكومية أثناء تقلدهم مناصبهم، ومع ذلك نجد وزراء ونواباً يدخلون مزادات حكومية ويشترون أراضٍ مملوكة للدولة، ويسيطرون على بنوك وشركات تمت خصخصتها.

مشكلتنا فى مصر أننا لا نعتبر المنصب العام وسيلة لخدمة المواطنين، وإنما تأشيرة مفتوحة للثراء المشروع أو غير المشروع، ليس مهماً، المهم أن بعض الوزراء فى هذا البلد، وعلى مدار تاريخه الحديث، يعتبرون المنصب التنفيذى وسيلة لتكوين أنفسهم بدلاً من السفر للخليج، ويتحول من مجرد أستاذ جامعى إلى مليونير، أو من رجل أعمال إلى ملياردير، خاضع للحماية، وفوق المساءلة، مهما تعددت خطاياه.

وحتى يخرج الدستور من الثلاجة، ويطبق القانون على الكبير، كما يطبق على الصغير، سيظل الفاسدون فى جميع أنحاء العالم، من كوريا إلى إسرائيل، تجرى محاكمتهم على ما اقترفته يداهم، إذا لم ينهوا حياتهم بأيديهم، وسيظل المفسدون فى مصر ينعمون بالثروة والنفوذ، ويتمتعون بالحماية فى السلطة، والغنى الفاحش بعدها، بينما ينتحر الفقراء لضيق ذات اليد، وضعف الحيلة، ولأنه لم يعد بالبلد أموال يمكن أن يقتات بها الفقراء بعد أن شفط بعض المسئولين والأغنياء ورجال الأعمال معظم ثروة هذا البلد.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة