د. محمد منصور

الأمريكيون لا يخضعون لقانون العيب!

الثلاثاء، 07 أبريل 2009 05:54 م


خبر صغير نشرته إحدى الصحف الأمريكية لايستوقف نظر القارئ الأمريكى إلا بقدر ما ينتهى من قراءته، لكنه فى محيطنا العربى سيصيب القارئ العربى – ولاشك – بنوع من الدهشة تجعله يحملق فى الفراغ طويلاً، وربما غاب عن الوعى تماماً فى حالة من حالات التعايش مع التداعى الحر للأفكار والتى تصيب الدماغ عادة حين تواجه اللامعقول!!
الخبر كما جاء فى الصحيفة الأمريكية مفاده أن السيدة "زيتونى أونيانو" ستمثل أمام القاضى المختص بشئون الهجرة، وذلك لترحيلها إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مخالفتها لشروط وقواعد الإقامة بالبلاد وبقائها بصورة غير شرعية.
قد يبدو الخبر عادياً وغير لافت لنظر القارئ المتعجل، بل وقد يقول قائل وماذا فى ذلك ؟!.. السيدة خالفت قواعد البقاء على الأرض الأمريكية، ولهذا تتم إجراءات ترحيلها، ولكن إذا علمت أن السيدة "زيتونى أونيانو" هى عمة الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما فإن من المؤكد أن نظرتك للأمر ستختلف، بل وربما دخلت إلى حالة الدهشة التى شرحناها فى أول المقال.
بقية الخبر كما ورد فى الصحيفة للمرة الأولى أكثر إدهاشاً!.. فهو يقول إن سلطات الهجرة لم توافق على منحها الإقامة وأنها طلبت منها المثول أمام القاضى فى الرابع من فبراير 2010 لمناقشة لجوئها إلى أمريكا وأسباب بقائها دون وجه حق!!
المؤلم بالنسبة لنا كعرب أن الرئيس الأمريكى لم يشأ التدخل فى أمر يرى أن له قواعد تحكمه وضوابط لا يجوز اختراقها بأى صورة من الصور.
لابد أن القارئ العربى وعلى الفور، سيتشكك فى مدى سلامة القوى العقلية لذلك المسئول عن الهجرة، والذى رفض منح الإقامة لعمة رئيس البلاد، التى تحمل نفس فصيلة دمه بل ونفس مكوناته الجينية.
ففى بلادنا تجرى الأمور بصورة مغايرة تماماً لما نسمع عنه أو نقرأه.. هنا الرئيس لا يلتمس ولا يطلب ولا يتدخل ولو بالإشارة، فهو من هذه الناحية شأنه شأن الرئيس الأمريكى سواء بسواء.
أما الموظف الذى أشار بمنع عمة الرئيس أو خالته أو حتى خادمه أو كلبه، فإنه يقامر بمستقبله كله، إذا هو فكر مجرد تفكير فى الوضع القانونى لأى تصرف يتصرفه أحد أقرباء الرئيس وحتى الدرجة العاشرة!!.. بل إن ذلك الموظف الذى يوقعه حظه التعس فى التعامل فيما يخص الكبار وليس فقط الرئيس، لن يكون بمقدوره استحضار صورة القانون أو نصوصه فى مخيلته، وإلا ظن الناس أن به جِنة.. بل إنه هو نفسه قد يقع دون أن يدرى تحت طائلة قانون العيب!.
القانون لدينا لايطبق على الكبار، بل إن القانون لدينا فى بعض الأمور يمكن أن يغض الطرف عن تصرفات حتى من هم فى حكم الكبار، ابتداءً من شيخ الخفراء أو حضرة الضابط النوبتجى ومروراً بمأمور القسم ووصولاً إلى السادة المدراء والوزراء!!
هنا تبدو الأمور أكثر رحابة وسعة، فثقافتنا فى هذه الناحية فضفاضة وتيسر كل عسير وتبيح كل محرم إذا ما تعلق الأمر بما يخص القيادات العليا ومن فى حكمها..
لابد والحالة هذه أن يثور السؤال المنطقى عن الفرق بيننا وبينهم؟.. لماذا نحيط قادتنا فى المنطقة العربية بهالات من التقديس، تجعلهم فوق القانون، بل وفوق الحساب وتمنح كل من يمت لهم بصلة من أبناء وأحفاد وأقارب وجيران، حصانة من نوع خاص بحيث لا تجوز مساءلتهم، بينما هم فى الغرب ينظرون إلى رأس الدولة كموظف فى مهمة رسمية مكلف بها من قبل الشعب لا تمنحه أى امتيازات إلا ما يساعده فى أداء مهامه على خير وجه؟!
إن ديننا الحنيف ورسولنا الكريم لم يأمرنا بهذا، بل لعله وهو المعصوم والذى غفر له ربه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وجهنا بوضوح إلى هذه النقطة بالذات، حين قال صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث إلى أصحابه "لايدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يارسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته".. أى أنه صلى الله عليه وسلم لم يميز نفسه ولا أحداً من أصحابه، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة فمن أين إذن أتانا هذا الخلل الفادح والفاضح، بحيث تفوق علينا الغرب حتى فى التطبيق الفعلى لتعاليم ديننا؟!
أظن الخلل يقع أول ما يقع فى نظرتنا لمفهوم كبير القوم، وهى نظرة قبلية غالباً ترى للكبير امتيازات تخصه وحده ولا يشاركه فيها أحد، فالكبير يستأثر بأجود الأشياء وبأفضل المعروض، وترى فيه سيد القوم والقيم عليهم، يسأل ولا يُسأل، فيظل دائماً بمنأى عن أى صراع وبمنجاة من أى حساب..
ومن هنا كان طبيعياً أن يظهر عندنا – دون العالمين- قانون يسمى قانون العيب يقع تحت طائلته كل من يفكر فى توجيه اللوم للحكام ومن فى منزلتهم..
وكان طبيعياً أن نسمع عما يسمى أخلاق القرية لنميز بينها وبين سلوكيات المدينة، بينما الأخلاق فى كل الدنيا وحدة واحدة لاتتجزأ ولاتتمايز..
وإلى أن نضع الأصبع بالضبط على موطن الداء، ستمضى الأمور كما تعودنا نحن العرب أن تمضى حيث يملك الحاكم البلاد والعباد والأرزاق وعلى المتضرر أن يخبط رأسه فى أى حائط.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة