محمد رفعت

الدائرة العبثية!

الثلاثاء، 14 أبريل 2009 10:54 ص


فى كتاب صدر منذ سنوات بمناسبة الاحتفال بمئوية جريدة الأهرام.. رصدت الصحيفة العريقة أهم القضايا التى تناولتها على مدار قرن كامل.. والمفاجأة أن هذه القضايا بحذافيرها هى نفسها التى نتحدث ونختلف حولها اليوم.. وكأننا لم نتقدم خطوة واحدة فى مائة سنة.. وكأننا ندور فى حلقة عبثية مفرغة، نلف حول أنفسنا.. وننقاد وراء صدفة أو حادثة عابرة أو تصريح صحفى أو فتوى دينية مثيرة للجدل، لنفتح ملفاً شائكاً أو مستهلكاً، وننسى أننا فتحناه وأشبعناه كلاماً ونقاشاً واختلافاً وجدلاً، ثم أغلقناه كما فتحناه فجأة، دون أن نتوصل فيه إلى حل أو نتخذ فيه قرارا أو نأخذ فيه ولو خطوة واحدة جادة ومؤثرة لحسم الجدل وقطع الشك باليقين..

وخذ عنك مثلاً قضية الدعم.. مادى أم نقدى؟ .. وهل يصل إلى مستحقيه أم يسرقه تجار جشعون يثرون على حساب الشعب.. وخد عندك.. تصريحات من مسئولين وتلسينات من معارضين وبرامج فى الفضائيات، ومانشيتات فى الصحف، وندوات ولقاءات، وبحث فى الدفاتر القديمة والجديدة.. ثم تنفثئ البالونة وننسى وننشغل بقضية أخرى.. طوابير الخبز مثلاً، فرغم أن الأزمة فرع من فروع الموضوع الأول وجزء منه.. وأقصد دعم الدقيق.. فإننا نتناسى المسألة الأصلية ونتجه نحو الأفران ومزارعى القمح ومستورديه ونلعن أمريكا وأبوها.. ونستعيد من الذاكرة عبارات الكفاح القديم.. من لا يملك قوته لا يملك حريته..

ونتساءل لماذا لا نزرع القمح ونزرع البرسيم؟.. وأين أراضى سيناء المهملة.. وأين مشروعات الثورة الخضراء.. ثم نسكت فجأة، وننشغل بأزمة أخرى.. مياه الشرب غير صالحة.. حوادث القطارات.. اختناق المرور.. العلاقة بين المالك والمستأجر.. الضريبة العقارية.. الحجاب.. نقاب الممرضات.. أجور العمال.. الكادر الخاص.. تصفيات كأس العالم.. انتخابات نادى الزمالك.. ختان الإناث.. التغيير الوزارى.. الإساءة للرسول الكريم.. القمة العربية.. إسرائيل وفلسطين.. العراق.. لبنان.. جنون الأسعار.. بورصة العقارات.. الأصالة والمعاصرة.. وعشرات الأزمات والقضايا والملفات التى نخرج الواحدة منها من درج الذكريات ونظل نلف حولها فى رقصة إفريقية مجنونة.. ونقيم الزار ونطلق البخور.. ونرغى ونزيد..

ونطيل ونزيد ونعيد وننفعل ونصرخ ونبحث الفتاوى الجاهزة والمعلبة.. ثم نصمت فجأة ونعيد القضية إلى الدرج.. ونبحث عن موضوع آخر ننشغل به لفترة، ونعد بأننا سنتابعه ونراقب التوصل إلى حلول فيه.. وتتبخر الوعود وتضيع الأحلام وتتوه الكلمات.. وتقع مصيبة جديدة، فنرمى الملف الذى كنا نحتضنه أو نستبعده لفترة حتى نعود إليه من جديد.. وحتى يحين وقته، ووقته سيحين بالتأكيد لأننا لم نفعل به شئ سوى الكلام والمزيد من الكلام.. والسبب أننا لا نخطط لشىء، وإذا خططنا فأفكارنا تكون عادة رومانسية وحالمة ومغرقة فى التفاؤل.. والمصيبة أننا بلا أجندة وطنية ولا مشروع قومى، ولا تصور للمستقبل القريب أو البعيد..

ولذلك أصبحنا مثل الترس الذى يدور فى الفراغ.. وبالتالى فهو لا يدفع خطوة واحدة إلى الأمام. ولا حل لنا ولا أمل فى الخروج من هذه المتاهة "السيزيفية" العجيبة سوى أن نحدد أولوياتنا، ونحدد بالضبط ماذا نريد أن نفعل الآن قبل الغد.. ونرتب مشكلاتنا الأهم فالمهم.. وإن اكتشفنا –وهذا طبيعى– أن الأمور كلها مثل الأوانى المستطرقة لا إصلاح لأحدها بدون إصلاح الآخر، فلنتخذ قضية أو هدفا واحدا ونركز فيه الآن ونبحث عن حلول حقيقية له، ونتابعه بجدية، حتى نتأكد من أنه قد تم إنجازه بالفعل ثم نبحث عن نقطة أخرى لنبدأ منها وهكذا.. هذا العام مثلاً قضيتنا هى الزراعة وبلاويها.. والعام القادم التعليم والثالث الصحة والرابع الثقافة.. المهم أن نضع عنواناً كبيراً وهدفاً واضحاً نتجه إليه.. وبدون ذلك فليس أمامنا سوى الفوضى الكاملة.. وهى قريبة جداً بالفعل منا.. وربنا يستر!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة