ربما تختلف ردود الأفعال من شخص لآخر.. فهناك رد الكلمة بالكلمة، التشابك بالأيدى واستخدام العنف، انتهاء بأعمال التخريب التى تصل لحد الإرهاب.. القاسم المشترك بين هذا وذاك يثبت أن الحياة اليومية ليست عالما مستقلا عن المجتمع الذى نعيش فيه، فهى لا تلتصق بميول فطرية أو خصائص عامة، لكنها وليدة ظروف اجتماعية تسهم فى تدرج حالة «الغضب» من شخص لآخر وفق ما تعرض له من ضغوط.
مسببات الغضب ليست ثابتة وإنما تتبدل بتغير سياسات الدولة التى تؤثر فى تركيبة المجتمع، فمن يرى أن الإرهابيين الذين قاموا بتفجيرات إرهابية فى الأماكن السياحية من 2004 وحتى 2006 هم شباب ينتمون إلى مجتمعات عشوائية ويعانون من البطالة، لا يصدق أن الرعيل الأول من معتنقى العمل المسلح والمؤمنين بفكرة الخروج على الحاكم خرجوا من كنف الكلية الحربية والفنية العسكرية وكليات القمة كالطب والهندسة وكان أغلبهم ينتمون إلى عائلات عريقة ذات مستوى مادى مرتفع، وعلى سبيل المثال خرج أيمن الظواهرى من فيلته بمصر الجديدة ومحمد مكاوى كان من نفس الحى الراقى، وهناك حالات كثيرة مثل خالد الإسلامبولى وعبود الزمر، وأغلب هؤلاء خرجوا من بيئة ارستقراطية، هذا التبدل فى تركيبة الإرهابى يرتبط ارتباطا مباشرا بتغير مكونات الغضب التى تغربل طبقات المجتمع وتعيد تشكيلها. لكن هناك نقطة تحدد مسيرة الاتجاه بعد تحول الغضب للإرهاب.. «نقطة التصادم» تمثل حالة فقدان السيطرة على الذات والتعبير عن الغضب الكامن بداخلها والتى تزداد أو تقل بحسب التوترات والضغوط التى تقابل الشخص فى حياته اليومية ليتحول الغضب لعنف، وفى حالة تجاهل السيطرة على هذا الغضب من جانب الدولة ومؤسساتها فلا نستبعد تحوله لأشكال إرهابية لا يمكن تخيل حدودها.
ثلاثة مجلدات بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية تحمل دراسة بعنوان «العنف فى الحياة اليومية فى المجتمع المصرى» فى بدايات الألفية الثانية أشار فيها الدكتور أحمد زايد، أستاذ الاجتماع بكل الآداب جامعة القاهرة، إلى أن صور العنف اليومية فى الحياة تلقى بظلالها تفسيرا للعنف السياسى وهو الأشد تطرفا وقسوة خاصة عندما يصل للإرهاب.
أعداد كبيرة من أعضاء خلايا الإرهاب الذين ألقاهم الأمن فى السجون كانوا يعانون قبل انخراطهم فى العمل المسلح من البطالة، بل وقيدتهم أعباء الزواج، ويعرف الجميع قصص «الإخوة» الذين تزوجوا وهم داخل السجون، بعدما اكتشفوا بداخله أن الزواج مسكن فعال للغضب، هذا بخلاف تقييد الحرية.. تلك الأسباب مازالت تعيد نفسها مرة أخرى لتؤكد أننا نسير وفق نظرية «الضغط» حيث تشكل تلك الضغوط مثيرات تؤثر فى بعض العمليات النفسية التى تدفع الشخص إلى سلوك عدوانى تدفعه لمظاهر الغضب وارتكاب جرائم العنف.
وهنا تقوم الدولة وأجهزتها الأمنية بالالتفاف حول الجرائم الإرهابية يمينا ويسارا لاكتشاف مرتكبيها وأسبابها.. لكنها لا تعلم أنها تمتلك النسبة الأكبر من أسباب ارتكاب تلك الجرائم التى تعدت %70 بسبب سياساتها المتناقضة وهذا ما فسره الدكتور على ليلة، أستاذ الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة، مؤكدا أن المصادر التى تغذى الغضب الكامن داخل المواطن مازالت قائمة وتضخ المزيد من التوتر والضغط، ربما تبدلت واخت لفت ولكنها قائمة، ونظرا لأن الدولة بحكومتها وعقولها الحالية لا تحاول استيعاب هذا الغضب وتحويله لغضب إيجابى، فلنتوقع درجات أكبر من الانتقام والتخريب العام، ليس من أفراد بعينهم بل من الدولة ذاتها التى ستتعرض لمزيد من الهجمات الإرهابية.
المجتمعات الفقيرة والمناطق التى تفرخ أطفال الشوارع ومجهولى النسب وفرت لهم مناخا خصبا لينمو بينهم العنف، فبحسب الدراسة هناك %75.3 من الشعب المصرى يرون أن هناك علاقة بين غلاء المعيشة والفقر والحرمان والعنف الجماهيرى، ففى حالة البطالة يلجأ الشباب إما لارتكاب الجرائم أو الانخراط فى الجماعات المتطرفة لتفريغ تلك الطاقات الكامنة وشحنات الغضب، حيث فسر الدكتور حسن سلامة، الخبير بمركز البحوث الجنائية والاجتماعية هذه النتائج: «الكبت يولد الانفجار.. وإذا استمر الكبت وفشلت طرق التنفيس عنه والتعبير، سيحدث الانفجار الأكبر الذى لا يمكن تخمين نتائجه أو تأثيراته».
الخبراء وصفوها بالأرض الخصبة.. ومكوناتها تختلف باختلاف سياسات الحكومة
قيادات التنظيمات القديمة خرجت من فيلات مصر الجديدة والإرهابيون الجدد «مواليد» العشوائيات
الجمعة، 06 مارس 2009 12:39 ص