محمد حمدى

من بشبيش.. إلى الإسكندرية!

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009 12:04 م


من بشبيش إلى الإسكندرية، لا توجد أمور كثيرة متشابهة، الشىء الوحيد الذى يجمعهما أن الأولى وهى إحدى قرى مركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية مسقط رأسى، والثانية هى عروس المتوسط وعاصمة مصر القديمة التى أكتب هذه الكلمات وأنا فى طريقى إليها.

بشبيش التى أنتمى إليها قرية كبيرة، بل تكاد تكون من أكبر القرى المصرية على الإطلاق، لكنها فى أحد أطراف محافظة الغربية، وتنتهى الطرق إليها، مما يجعلها فى هذه الحالة نموذجا للمناطق المغلقة، التى تبدأ وتنتهى فيها حياة كثير من أهلها، وهم يظنون أنها هى كل الحياة.. أولها وآخرها.

الإسكندرية على العكس تماما مدينة تفتح ذراعيها للبحر، شأنها شأن كل المدن الساحلية، يمر بها الكثير من البشر والحضارات والأجناس والأديان والثقافات، فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتانية، أى متعددة الثقافات.

فى هذه المدن المفتوحة يتطلع الناس دائما إلى البحر، يحلمون بعبوره للعالم الآخر الذى تهب رياحه بشكل دائم على مدينتهم، ومن هذه الرياح القادمة التى تغير أحوال الناس وتبدل أمزجتهم وثقافاتهم ينبع التعايش الحقيقى، وتتجدد الثقافات، وتغسل البشر من الداخل، لأنهم يؤمنون ويعتقدون أن الحياة أكبر من مدينتهم وحتى من البحر الذى لا يرون نهايته.

فى مارسيليا الفرنسية شمال المتوسط، كنت تشم هذه الرياح ومثل هذه الثقافة الكونية، وهى نفسها فى فينسيا العريقة، أو البندقية كما يسميها العرب، وفى الميناء القديم فى الجزائر العاصمة.. تتشابه كل مدن المتوسط المفتوحة على البحر، ويكاد أيضا يتشابه البشر، رغم اختلاف ألسنتهم وألوان بشراتهم.

لكن معظم هذه المدن المفتوحة على البحر والحياة لم تعد كما كانت، ففى الإسكندرية ستسمع حديث الفتنة الطائفية، وفى مارسيليا ينمو اليمين الفرنسى المتعصب ضد المهاجرين الذين شاركوا فى صناعة الجمهورية الفرنسية بكل مبادئ المساواة والحرية التى صاغتها منذ زمن، أما فينسيا فهى لا تختلف كثيرا مع اليمين الإيطالى المناهض للتعدد والاختلاف والتنوع، أما الجزائر العاصمة فخرجت من احتلال فرنسى لتقع فريسة أناس أكثر فتكا وتشددا يقتلون أبناء الدين الواحد فما بالنا مع المختلفين فى الجنس واللغة والدين.

فى بشبيش كنا نحلم برياح الإسكندرية وغيرها من المدن الساحلية، حتى ضاقت كل الإسكندريات على أهلها.. اختفى التنوع، وساد التشدد، وتحول المتوسط هبة الله الذى وهب الناس الحياة والثقافة والرزق والحرية والتعايش والتسامح، إلى قرى كبيرة جدا تشبه بشبيش التى لم تعد قرية بينما مدننا المفتوحة انغلقت على نفسها وتحولت إلى قرى فى نهايات العالم والحدود والطرق والبحار!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة