أشرف نبوى يكتب: واحد منهم

السبت، 19 ديسمبر 2009 03:39 م
أشرف نبوى يكتب: واحد منهم

حين كنت أرى اسمى بين الأسماء كان ينتابنى شعور غامض لم أدر يوما كنه هذا الشعور، لكنه بغموضه هذا كان يخفف عنى بعضا من الحزن الذى كان يخالجنى ويعشش فى مقالتى التى كانت تزدحم ببعض العبرات، وحين شببت عن الطوق قليلا كنت أغضب كثيرا وأنا أرى كابتن الفريق الذى كنا ننتمى إليه، تعلق بعينيه تلك النظرة التى تحمل المعنى نفسه، دون تمييز بين أحدنا والآخر، حتى عندما كبرنا وانتسبنا للجامعة كانت عبارات الفتاة التى كنت أعشق تتقاطر بالمعنى نفسه وهى تتحدث إلينا فكان هذا يغضبنى، لم أدر لما كنت أتوق دوما للتفرد ولأن أعامل على أنى لست مجرد رقم أو اسم بل إنسان له شعور وأحاسيس يجب أن تؤخذ فى الاعتبار حين يفكر الآخر فى التعامل معه، فلم أرض يوما على وجود اسمى رغم تفوقى فى قائمة الناجحين، لأنى كنت أستشعر رقم واسم لا يحمل دفء المعنى، وحين بدأت عملى حرصت من أول يوم لى على أن أكون أنا، واجتهدت لكى لا أكون مجرد واحد منهم، من الموظفين أو حتى المديرين، حتى عندما تقدمت لخطبة الإنسانة التى أحببت كنت حريصا على تميزى فى طلبى وفى إتمام إجراءات الزفاف، بعدما فشلت عدة محاولات كنت أرانى خلالها مجرد فرصة من الفرص لصويحباتها، فكنت أسارع بالانسحاب.

لم تكن تلك أنانية أو غرورا، بل كانت حرصا منى على النجاح، فأنت حين ترفض أن تصبح مجرد واحد من كثيرين، فإنك تحرص على فعل كل ما يجعلك لا تتخلى عن تفردك وتميزك الذى تحلم بتحقيقه، وأنا كنت وما زلت متمسكا بحلمى، لأنى أعتقد أنه السبيل الوحيد لتحقيق أى إنجاز، فالخروج من طابور المعتاد والتمرد على التابوهات المتهالكة هو نوع من أنواع السعى إلى الإبداع والتغيير، وما حياتنا إلا سلسلة من الإبداعات، هذا إذا أردنا بالفعل أن نحياها كما أراد لنا المولى عز وجل أن نحياها، أما أن نعيش لنأكل ونعمل ونتكاثر بلا هدف وبلا رغبة فى إحداث نقلات حياتية أو قفزات على المستوى الإنسانى وفى أى مجال نختص به، فإننا بهذا نكون قد كرسنا لسياسة القطيع التى تنتهجها معظم المجتمعات البدائية، والأمم المتخلفة التى يسمونها تأدبا نامية.

وأنا هنا أريد أن أوضح شيئا هاما يخص ما ذكرت بصفة دقيقة، وهو أن التفرد والتميز يكون بتقديم رؤية منهجية منظمة وحلول وأفكار، بتقديم شىء يعود بالنفع على الذات والمجتمع ومن ثم على الأمة جمعاء، لأننى أرى الكثيرين الآن يحاولون التفرد لكن بجهل وغوغائية، يحاولون التفرد بالتغريد خارج السرب، يختلفون ويصيحون ويعادون لمجرد الظهور، يعارضون لمجرد المعارضة، دون أن تكون لديهم منهجية خاصة بهم ورؤية واضحة تضع حلولا تحل محل ما يعارضونه أو ينتقدوه، وقد عظمت الطامة، لأن هذا طال جميع مناحى حياتنا، من سياسيه لاجتماعية ومن رياضة لفن حتى الدين لم يسلم من نيل هؤلاء، والكل يطمع فى ركوب الموجة، معتقدا أن هذا سيوصله لشىء وهو واهم.

أنت حين تتصدى لقضية ما يجب أن تلم بكافة ما يتعلق بها من أسباب وأطراف وعلاقتها بغيرها من القضايا، ومن ثم تضع عدة حلول بأساليب علمية دقيقة حتى لو اعتمدت على غيرك من الخبراء فى هذا المجال، وتفاضل بين تلك الحلول، وتطرح أفضلها للنقاش العام، ويكون دوما هدفك الصالح العام وليس مصالح شخصية تحركها أهواء أو قناعات خاطئة، وتكون على استعداد لتلقى رأى الآخر الذى فى الغالب قد يكون مخالفا لرأيك لاختلاف النظرة والأسس التى تم بناء رأيه على مفرداتها، ويكون لديك من الحجج ما تستطيع به أن تقنع الذى أمامك بوجهة نظرك دون تشنج أو إسفاف أو رفض للآخر بكليته، بل يجب أن تكون مستعدا لقبول رأى الآخر فى حال إقناعك، وفى حال وجدت من المنطق فى ما توصل إليه ما يحتم عليك اتباعه، ولا تضع من البداية فرضية رفض الآخر مهما يكن ما سيقدمه ، أولا لأن هذا ينسف مصداقيتك من البداية، وثانيا لأن هذا يكون مدعاة لعدم تلاقح الأفكار، وما يسببه هذا من جمود، وانهيار لفكرة الصالح العام.

هذا أذا أردت فعلا أن تكون متفردا وفاعلا، لا متبعا ومقلدا، ولا صائحا وسط جموع الصائحين بلا هدف وبلا وعى، لمجرد أن تكون موجودا، ولا يهم ما تفعله أو ما تقوله، أو يشغلك أثره، المهم التواجد والمشاركة بفاعليه أو بدون، بفائدة أو بدون، وكأنك تريد أن تكون واحدا منهم وكفى، وكأنك تريد أن تنضم إلى سلسة الأقلام النافقة والحناجر التافهة.

جميعنا بدأ كما بدأت أنا راغبا فى التفرد وعازما على إحداث فرق، لكن سرعان ما تنقلب الصورة ويجد أيا منا نفسه وقد انساق وراء وهم يصور له ألا فائدة، وأن اليد الواحدة لا تصفق فيتقاعس ويبدأ فى نسيان رغبته الأكيدة فى رفضه، لأن يكون مجرد وحد منهم، ويبدأ إما فى معاقرة الصمت، أو البحث عن التفرد بالتهجم ونشب معاول الهدم فى كل ما حوله، ومن حوله، وتمتزج المرارة بسخريته مع شعوره بالانسحاق والهزيمة فى ذاته، تغذى تلك النزعات خيبة أمله فى مجتمعات يسودها الفساد وتنعدم فيها العداله وتتوارى المساواة بين أبناء الوطن الواحد، فلا يجد سبيلا غير ما ذكرت وهو الانضمام للقطيع فى سعيه للاستمرار، أو تخيل أنه يجب أن يحافظ على تفرده وذلك بالهجوم على أى شىء وكل شخص، دون أن يكون قادرا بذاته على النظر لنفسه أو محاولة إصلاحها، ودون أن يكون قادرا على تقديم الأفضل فى ظل ضبايبة فكرية أحدثها يأسه وعدم قدرته على التعايش مع إيمانه بذاته وبقدراته.

يحدث هذا كل يوم معى ومعك ومع أناس كثر، وجدوا أنفسهم وبلا سابق إنذار ضمن القطيع فالبعض استسلم، والبعض حاول أن يتمرد لكن بغير منهجية ولا فكر، وإنما بانفلات أخلاقى وفكرى فأذى نفسه قبل أن يؤذى غيره، وقليل هم من نجوا من هذا وذاك فخطوا لأنفسهم طريقا وأسسوا لذواتهم منهاجا قويما مستعينين بثوابتهم الأخلاقية والدينية التى أعانتهم على سلوك هذا الطريق، فنجوا من أن يقعوا فى هاوية التقليد الأعمى أو التفرد الأغبى، بل إنهم نجحوا وبامتياز فى التفرد ولم يتعثروا فى هاوية عنوانها الأبرز (واحد منهم).



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة