أتعجّب حقيقة عندما أسمع أشخاصا يشتكون وينتقدون ويكيلون الاتّهامات للحكومة، رغم أنّ غالبيّة الشّعب المصرىّ يعمل فى القطاع الحكومىّ، ومن هذا المنطلق فالمحصّلة فى النهاية أنّنا نحن نشكل الجزء الأكبر من الحكومة، فكلّ وزارة مثلا على رأسها وزير ومعاونوه ثمّ موظّفون حكوميون أيضا، انتهاءً بالعامل المسئول عن مكتبه والسائق الخاصّ به ورجال الأمن الواقفين على البوابات! ثمّ الفروع والمؤسّسات الّتى تندرج تحت تخصّص تلك الوزارة فى كل أنحاء الجمهوريّة ومدير كلّ مؤسّسة ثم الموظّفين العاملين معه وهكذا.
لو نظرنا للأمر من هذا المنطلق سندرك أنّنا حينما ننتقد الحكومة فإنّنا ننتقد أنفسنا لأنّنا بصورة أو بأخرى جزءاً ممّا ننتقده وممّن ننتقدهم، فعلى سبيل المثال لو أنّك تشكو من أنّك حينما تذهب إلى مستشفى حكومىّ لا تجد خدمة جيّدة، فعندما تنتقد الحكومة تنسى أنّ مواطناً مثلى ومثلك هو المقصّر هناك، وأنّ طبيبا ترك عمله مبكّرا ليذهب إلى عيادته ومديرا مشغولا بمنصبه وعاملا لم ينظّف الأرضيّة جيّدا وهكذا، وستجد أنّ نفس هذا الطّبيب والعامل كلّ منهم ينتقد الحكومة والبلد أيضا.
هو نفسه ستجده يشكو لك أنّ سائق الميكروباص يقود بسرعة شديدة، وأنّ سائق التاكسى يطالبه بأجر أعلى من المسموح، وأنّ استخراج رخصة قيادة سيّارته صارت أمرا شاقّا، وأنّ البقّال فى شارعه بضاعته منتهية الصلاحيّة، بينما هو لن يلوم نفسه أنّه بعدما شرب العصير ألقى بالعلبة فى الشارع، وزوجته بعدما وضعت القمامة فى الكيس المخصّص لها ألقتها من النافذة، وأنّه عندما وصل ركن سيّارته فى وسط الشّارع بحجّة أنّه لا يوجد مكان للرّكن قريب من منزله.
وفى اليوم التّالى ستراه يطلع على التليفزيون ليشتكى أنّ الشوارع غير نظيفة، وأنّ الحكومة والبلد فيها تسيّب، بينما سيتناسى أنّه هو أيضا لا يذهب إلى عمله، ولو ذهب فإنّ وجوده يكون فقط جسديّا، بينما لا يؤدّى شيئا حقيقيا، سوى أن ينتقد أحوال البلد ويظل يتحدث ويتناقش مع زميله غير مبالٍ بالمواطن الموجود أمامه الّذى يريد إنهاء أوراق له، وعندما يعترض يعامله بفتور ويصرخ فيه، فيخرج ذلك المواطن غاضبا أيضا ويسب ويلعن البلد والحكومة وهكذا دواليك.
حتّى فى القطاع الخاص، فقط مالك العمل هو الّذى يهتم بعمله، لكنّه بينما يحاسب موظّفيه بقسوة على جنيه واحد أخطأوا فى حسابه لصالحه، فإنّه يتغاضى عن مئات الجنيهات الّتى هو يأخذها من عملائه أكثر من حقّه، ويبالى بالرّبح أكثر من نوعيّة الخدمة الّتى يقدّمها، بينما المصرىّ نفسه عندما يسافر إلى الخارج سواء فى دولة عربيّة أو أجنبيّة، فهو يعمل ساعات العمل المقرّرة دون أن يتنفّس أو يشتكى ويتقن العمل ليس بإرادته، لكن لأنّه يعرف أنّه لو لم يفعل سيقولون له شكرا ويجلبون غيره، لكن فى مصر الوظائف الّتى هى مدى الحياة وعدم ربط الإنتاجيّة بالدّخل تجعل الكلّ يتساوى، فلا من يقصر يخصم له، ولا من يخلص ويزيد الإنتاج والرّبح يمنح زيادة.
بالنّهاية سواء قطاعا عاما أو خاصا أو خدمات أو
مؤسّسات، كّلنا مصريون وكّلنا الحكومة وكلّنا مقصّرون!
د. نيفين شكرى تكتب : كلّنا الحكومة وكلّنا مقصرّون!
الأحد، 13 ديسمبر 2009 10:57 ص