لأول مرة منذ حرب فيتنام، أعرب الأمريكيون عن ميلهم لأن تعتنى الولايات المتحدة بشئونها الداخلية، وتترك شعوب العالم تدبر أمورها كيفما تشاء، حيث أظهر استطلاع رأى أن 49% من الأمريكيين يميلون للمرة الأولى منذ عام 1964 إلى أن تعتنى أمريكا بشأنها، وتترك بقية دول العالم للتصرف فى أمورها بأفضل طريقة تراها.
وأيد 44% من المستطلعين مبدأ أن نتصرف بطريقتنا فى الشئون الدولية دون الاكتراث بما إذا كانت دول أخرى تتفق معنا أو لا تتفق، وأعرب 76% عن ضرورة عدم التفكير كثيرا من منظور دولى، وإنما التركيز على المشاكل القومية الذاتية وبناء القوة والرفاهية الأمريكية الداخلية.
وقال أنريو كوهوت، مدير مركز بيو للاستطلاعات: "نشهد زيادة غير عادية فى نسبة الانعزاليين والأحاديين، ونسب هذا التوجه إلى بطء معدل العودة إلى الانتعاش الاقتصادى، والقلق من حربى العراق وأفغانستان، والمخاوف المتنامية من أن تكون الولايات المتحدة ما زالت معرضة للإرهاب".
كما كشف الاستطلاع، الذى شارك فى رعايته مجلس العلاقات الأجنبية، عن انخفاض حاد فى نسبة الأمريكيين الذين يؤيدون أهمية أن تكون بلادهم زعيما عالميا، وذلك بالمقارنة بعام 2004 أى بعد الغزو الأمريكى للعراق فى 2003.
ويمثل هذا الاستطلاع الذى احتوى موضوعات أخرى تغييرا مهما فى وجهة نظر الأمريكيين للدور الخارجى الذى تلعبه بلادهم، ولولا الحرب على العراق وأفغانستان ما أمكن تغيير وجهة نظر الأمريكيين للسياسة الخارجية، لكن استمرار تدفق الأموال فى حربين غير شرعيتين، واستمرار نزيف البشر، يجعل الناس ينظرون للأمور نظرة موضوعية بعيدا عما يريد السياسيون.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد استطاعت التوصل إلى اتفاق مع العراق يقضى بسحب القوات الأمريكية فى مدى زمنى معلوم، فإن الخروج الأمريكى من أفغانستان دون الاعتراف بالهزيمة لا يزال محل شك، رغم الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة فى أفغانستان، والتى شملت إرسال تعزيزات إضافية بلغت 30 ألف جندى أمريكى.
ورغم أن الرئيس الأمريكى باراك أوباما يأمل فى خروج مشرف من أفغانستان على طريقة العراق، بمعنى دعم نظام الحكم الوطنى وجعله قادرا على تحمل المسئولية قبل انسحاب القوات الأجنبية، فإن المراقبين لا يتوقعون قدرة الرئس الأفغانى حامد كرازاى على تثبيت دعائم حكمه سواء بهزيمة حركة طالبان أو بالتوصل لاتفاق معها يقضى باقتسام الحكم.
لكن الأكيد أننا فى هذه اللحظات التاريخية الحاسمة نشهد نهاية الإمبراطورية الأمريكية التى سيطرت على العالم منفردة منذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتى السابق فى عام 1991، وقد لا تكون النهاية الأمريكية مثل الانهيار السوفيتى، لكن الإمبراطورية العسكرية الأمريكية التى استندت إلى أكبر اقتصاد فى العالم، لم تعد كذلك بعد أن أدت الفاتورة الضخمة للحروب المتتالية إلى تدهور الاقتصاد الأمريكى بشكل كبير قد لا يكون قادرا بعدها على النهوض.