لست مع أو ضد الذين يؤيدون أو يعارضون ترشيح الدكتور محمد البرادعى لخوض الانتخابات الرئاسية، ولكنى كمواطن يعيش فى دولة مؤسسات مستقلة يحكمها القانون والدستورية، فإنى أرفض هذه الحملة الصحفية الضارية التى تبنتها الصحف القومية فى تبارٍ غير مسبوق بأقلام رؤساء تحريرها ومديرى إداراتها ضد الدكتور محمد البرادعى لمجرد أنه فكر فقط فى ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية بصفته مواطنا مصريا دعته الأوساط الثقافية وبعض من قيادات أحزاب المعارضة فى مصر لخوض هذا السباق المحموم قبل بدايته، ثقة منهم فى قدرته على تحقيق الأحلام والآمال، فلم يشأ أن يلبى هذه الدعوة إلا وقد وجه إليه سيلا من الاتهامات انهالت عليه من أصحاب هذه الأقلام غير المنصفة من كل حدب وصوب تشكك فى قامة الرجل العلمية والإدارية، دون أدنى معايير مهنية تلتزم حيادية الطرح، وتقف على تماسٍ واحد مع الحق. ولم يكن ذلك فحسب، وإنما اجتهدوا فى تجريد الرجل من نجاحاته ومن وطنيته، بل وصلت اتهاماتهم له بالفشل عبر رحلته التى استمرت ربع قرن من الزمان وقد فعلوا ذلك، لا لأن الرجل قد أساء إلى وطنه أمام المجتمع الدولى أثناء تمثيله الدبلوماسى لمصر، أو أثناء ترأسه الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو منصب رفيع المستوى، ولكن حدث هذا لأنه حقق نجاحات كبيرة صنعت له اسما ذائعا وتاريخا راسخا فى الكيانات السياسية والعالمية، وأصحاب الأقلام أنفسهم، ومن فى موقعهم فى ذاك الوقت هم من شهدوا له بهذه النجاحات، وهم من وصفوه فى هذه المرحلة ذاتها بالحكمة والذكاء ووصفوه بالفارس المصرى الذى لا يشق له غبار حين ترأس أهم وأعظم وكالة دولية فى العالم يتحدد من خلالها مصير الشعوب.
غير أن أصحاب الأقلام لم يوقفوا محاربتهم للرجل عند هذا الحد، بل زادوا فى دأبهم بوضع مقاييس وفق رؤيتهم لحياة الرجل فى الخارج، تعطى دلالات مغايرة لا تتفق ورؤيته للواقع المصرى المعاصر فى الداخل طيلة سنوات غربته المنصرمة، ليتأكد المواطن بعد الرجل عنه فى الزمان والمكان والتعايش ،وقد أوضحت ذلك بالمقارنة بين القاهرة وفيينا.
وهذه نظرة قاصرة وأحكام مسبقة على الدكتور البرادعى لا تساعد على إنماء الحراك السياسى الذى يواكب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وكذلك الانتخابات المحلية والنقابية، فضلا عن فرض وصاية على الموطن وإجباره على تقبل أى مرشح يساق إليه طوعا أو كرها فى رسالة مفادها منع بزوغ النخب المصرية فى سماء مصر السياسية لوقف مظاهر الحراك الشعبى التى تلوح بالأمل فى الأفق البعيد يتم ذلك دون أدنى نظر لممارسة حقيقية للحقوق الدستورية فى ظل غياب حرية اختيار المواطن لمن يرغب فى ترشيحه.