انجلت عاصفة الغبار بين مصر والجزائر، لكنها لفتت الأنظار إلى كارثتين تعانى منهما مصر.. أولاهما أن السنوات القليلة الماضية أفرزت نخبة مطرزة بعناية قادرة على التهييج وحشد الناس فى أى اتجاه ولو كان اتجاه جهنم، ذلك أنها تحظى بنجومية إعلامية ودعم حكومى لا سابق له.. وهى لا تمت بصلة إلى العقل الجمعى المصرى الذى يعى تاريخ بلدنا وثقافتنا وتوجهاتنا وطموحاتنا، ولا يعى حاضرنا.. فهذه النخبة وإن كانت صعدت من القاع لكنها أبعد ما تكون عن هموم العشوائيات وسكان المقابر والمنازل التى لا يعرف أهلها طعم اللحوم لشهور فى قرى ونجوع مصر.. وهى نخبة للأسف لا عقل لها إذ إنها تسير فى أى اتجاه تشير فيه السلطة أو أحد أعضائها أو أحد أبناء أعضائها دون دراية بما تفعل ولا عواقبه.. والمخيف أن أولئك الصاعدين من المجهول دون أن تكون لديهم مقومات الانضواء تحت تعبير النخبة تتمتع بجهل مطبق، فالرياضى لا يجد حرجا فى أن يعتبر نفسه مفكرا ومنظرا سياسيا، والروائى يتحول بقدرة قادر إلى خبير فى الاقتصاد، والاقتصاديون يحجزون لهم مكانا على طاولة صنع القرار السياسى، والفنانون واللاعبون يبحثون عن النفوذ عبر مقاعد فى البرلمان، وكل لا يجد حرجا فى تحقيق مآربه أن يلفق ويزور ويتآمر ويتحول إلى فاسد أو مفسد لغيره، وهو يلتمس عذرا لنفسه، إذ إن الجو العام كله تلفه غيوم الفساد ولا تسمح لأحد بالصعود إلا إذا شرب من نهره وعب طويلا حتى يكون متجانسا ومتوائما مع المحيط العام وليس شوكة فى ظهره.
الكارثة الثانية.. تتمثل فى أجهزة الإعلام ونجومها الصاعدين من العدم، ففى وقت تحارب الكفاءات (التى تبدأ بالإعلامى اللامع حمدى قنديل ولا تنتهى) وتجبر على الانكفاء على ذاتها ومضغ مراراتها، تتحول المنابر الإعلامية إلى ملعب فسيح لصنع نجوم من ورق يغلب عليهم الجهل، ويتلاشى فى أذهانهم الوعى بمصر، فهى بالنسبة لهم مراكز يتبوءونها، وأموال يجمعونها، وشهرة يغتصبونها ممن هم أحق.. وبدون روية أو لحظة تفكير يشار اليهم فيهرولون.. إذا أحسوا أن هناك رغبة علوية فى مهاجمة هيكل فتحوا بحيرات مسكهم على آخرها (ولمن لا يعرف فإن بحيرة المسك خزان ضخم للمخلفات البشرية فى جدة ويقال كنوع من التندر) فجردوا الرجل من عقله وحكمته وتاريخه ودوره، دون أن يكونوا قد شغلوا أنفسهم بقراءة حرف واحد مما كتب، وإذا هتف أحد ما فى قصر رئاسى: "برادعى"، تحول واحد ممن تفخر مصر إلى ممسحة للأحذية، ولم ينج من ذلك إلا قليلون ممن ناقشوا الأمر المثار بعقلانية (منهم الزميلان خالد صلاح ومجدى الجلاد) وفيما عدا ذلك يهب الجمع مثل كلب حراسة للسلطة، أما مصر فحراسها صامتون أو مهمشون، ينتظرون يوما يعلو فيه صوت العقل حتى ينطقوا أو يرموا وراء ظهورهم تفاهات الحاضر ليكتبوا عشقا لمصر التى لا يعرفها المحبون، بل يحبها العارفون على نحو ماكتب صديقى الأثير عزازى على عزازى فى مقاله "مصر تستاهل" المنشور على اليوم السابع.
أحاول أن أتخيل سيناريو توريث السلطة فى وجود هذه النخبة وإعلامييها.. بالطبع سيكون الأمر محل سخرية واستهزاء العالم.. ستتشدق النخبة بمصر دون شك، لكن مصر التى يقصدونها كيان آخر غير مصر الحقيقية الصامته التى تلبس سوادها وتمضغ أحزانها وتركب الصعب حتى تطعم أطفالها فى انتظار مخلص لا يجىء.
وردت لليوم السابع مجموعة من المقالات تعقيبا على الدعوة المنشورة تحت عنوان " توضيح حول تعليقات الزملاء على انتخابات النقيب" .. وسنوالى نشرها تباعا..