نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" فى نسختها الفرنسية تحليلا مطولا على موقعها الإلكترونى هذا الأسبوع عن المملكة العربية السعودية بقلم تسيفى مازيل، سفير إسرائيل السابق فى مصر والسويد. يتعرض فيه للحديث عن الإصلاحات الداخلية التى يسعى الملك عبد الله لتحقيقها بهدف تحسين صورة المملكة التى تشوهت بعد أحداث سبتمبر. كما يتطرق للحديث عن أهم خطرين يهددان استقرارها، وهما تنظيم القاعدة وإيران. ويخلص إلى أن الملك عبد الله البالغ من العمر 83 عاما يسابق الزمن ليخلف وراءه دولة تمتلك جميع مقومات البقاء.
يستهل مازيل تحليله قائلا بأن المملكة العربية السعودية تعد واحدة من أكثر الأنظمة القائمة على السلطة فى العالم، ويظهر ذلك فى سياسة التمييز ضد المرأة، وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان، ونقص كبير فى ممارسة الديمقراطية.. كما أن التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية فيها يؤدى إلى أعمال وحشية ترجع إلى العصور القديمة، مثل قتل النساء بالحجارة وقطع أيدى اللصوص وعمليات الإعدام بالسلاسل. إن هذه الدولة هى "معبد الوهابية" أى الإسلام الأكثر راديكالية. وهى تغمر بعائدات النفط المساجد والمراكز الإسلامية التى تقوم بتدريس التفسيرات المتطرفة للإسلام فى أنحاء العالم.
وهكذا قدمت المملكة العربية السعودية يد المساعدة لحركة طالبان فى أفغانستان وحماس فى غزة، وذلك قبل تراجعها عن هذا الدعم بعد أن استوعبت التهديد الهائل الذى تشكله هذه الحركات على استقرارها الداخلى. ففى أعقاب أحداث 11 سبتمبر التى شوهت صورة المملكة، لاسيما وأن 16 من الإرهابيين الـ19 فى نيويورك كانوا مواطنين سعوديين، علت أصوات كثيرة فى الولايات المتحدة تنادى بقطع العلاقات مع المملكة السعودية. ومنذ ذلك الحين يسعى الملك عبد الله بن عبد العزيز فى محاولة يائسة لتحسين صورة بلاده فى الخارج، فأطلق موجة من الإصلاحات الداخلية فى الوقت الذى يواجه فيه هذا البلد اثنين من التهديدات القاتلة، وهما تنظيم القاعدة وإيران.
الإصلاحات الداخلية: حقوق المرأة وحقوق الإنسان
ثم يعرض مازيل بعض تلك الإصلاحات الداخلية، ومنها تخفيف القبضة حول النساء السعوديات. فيقول إن الملك عبد الله يملك من الحكمة ما يكفى ليعى أن عائلته قد تدفع فى نهاية المطاف ثمنا باهظا إذا لم تشرع فى تحقيق الإصلاحات التى تطالب بها الأجيال الشابة، خاصة النساء. ولذلك شرع الملك عبد الله منذ اعتلائه العرش فى عام 2005 فى إصلاح القطاعات الدينية والقضائية والثقافية من أجل تخفيف قبضة التيار الوهابى. فكان أحد قراراته الأولى هى تعيين أشخاص أصغر سنا وأكثر ليبرالية فى وزارة التعليم لإضفاء روح شبابية على هذا المجال. ولكن يظل من الصعب تقييم نتائج هذه التجربة حتى الآن.
كما ظهرت واحدة من بناته فى الطليعة للدفاع عن أوضاع المرأة، ونجحت فى إطار عملها فى إدخال الرياضة فى مدارس الفتيات العامة والخاصة وإنشاء نوادى رياضية للنساء اللاتى تم السماح لهن بالمشاركة فى المنافسات الوطنية والدولية على حد سواء.
فضلا عن قيام الملك عبد الله الشهر الماضى بافتتاح جامعة العلوم والتكنولوجيا، التى تمثل ثورة ثقافية حقيقية، إذ تسمح بالاختلاط بين الجنسين داخل صفوفها. وعلاوة على ذلك، إذا لم تكن المرأة السعودية قادرة على القيادة فى جميع أنحاء المملكة، فهذا الأمر بات مسموحا لها فى الحرم الجامعى.
ويعلق مازيل قائلا إن هذه الخطوات الصغيرة لن تغير فى شىء صورة المملكة العربية السعودية، ولكنها تعد خطوة فى الاتجاه الصحيح. ويضيف أن هذه الإصلاحات واجهت مقاومة شديدة من قبل المحافظين. إلا أن الملك الذى يحظى بالدعم الكامل من الليبراليين والمثقفين، لم يستسلم لها. والدليل على عدم تسامحه مع أى شقاق قد يحدث، أنه سحب مهام واحد من الزعماء الدينيين الأكثر شعبية، وهو الشيخ سعد بن ناصر الذى أدان بشدة الاختلاط فى الجامعة الجديدة.. وكان هذا القرار بمثابة إنذار لغيره من المعارضين.
وعلى صعيد حقوق الإنسان، يقول مازيل إن المملكة السعودية واجهت انتقادات من منظمة سعودية لحقوق الإنسان، انتقدت فى تقريرها السنوى علنا وللمرة الأولى المؤسسات الحكومية، وخاصة وزارة الداخلية، التى تنتهك الحقوق الأساسية. وقد أخذ الملك فى الاعتبار هذه الملاحظات ووقع الأسبوع الماضى قانونا جديدا لإجبار مؤسسات الدولة على تشجيع "ثقافة حقوق الإنسان"، وهى مجموعة من المبادئ تتفق مع الشريعة الإسلامية. إلا أن الجدل حول مدى فاعلية هذه الإصلاحات لا يزال مستمرا. ومؤخرا اضطر اثنان من الصحف الإسلامية المعارضة لمظاهر التحديث إلى إغلاق أبوابها.
القاعدة وإيران.. خطران قاتلان للمملكة السعودية
يقول مازيل إن هذه التهديدات الداخلية لا تمثل شيئا مقارنة باثنين من المخاطر القاتلة بالنسبة للمملكة العربية السعودية: القاعدة وإيران.
فيما يخص القاعدة، قامت هذه الحركة الإرهابية بسلسلة من التفجيرات الانتحارية خلال السنوات الخمس الماضية بهدف الإطاحة بالنظام الملكى المتهم بـ"خيانة الإسلام"، لأنه استضاف على أراضيه القواعد العسكرية الأمريكية. وعلى الرغم من أن هذه القواعد نُقلت من ذلك الحين إلى قطر، إلا أن هذا الأمر ليس بكافٍ بالنسبة "للحركة الإرهابية"، التى ترى أنه لا يزال يُسمح "للكفار" بالعيش فى المملكة، أرض النبى محمد، وهو ما لا يغتفر بالنسبة لها. ومن ثم يتعين إقامة نظام إسلامى بدلا من النظام الملكى. ولذلك فقد جعل الملك عبد الله من مواجهة القاعدة واحدة من أولوياته.
فقامت الأجهزة الأمنية العام الماضى بقتل واعتقال عدد من أعضائها. وفى المقابل ارتكبت القاعدة خطأ فادحا عندما حاولت اغتيال الأمير محمد بن نايف، ابن وزير الداخلية والمسئول عن مكافحة الإرهاب. الأمر الذى صدم زعماء القبائل وجعلهم يتخلون عن تنظيم القاعدة ويعيدوا الاتصال مع النظام السعودى.
أما بالنسبة للخطر الخارجى الثانى فهى إيران. ترى هذه الأخيرة فى الرياض العقبة الرئيسية أمام ثورتها الإسلامية. وفى المقابل، إذا امتلكت طهران القنبلة النووية، ستجد المملكة العربية السعودية نفسها دون حماية أمريكية. وفى الواقع، فإن المملكة السعودية تتمنى سرا أن تقوم إسرائيل بتسوية المشكلة الإيرانية.
وإلى جانب التهديد النووى، تشكل إيران مزيدا من التحديات بالنسبة للسعودية، خصوصا فيما يتعلق بالمحاولات الرامية إلى زعزعة الاستقرار فى المناطق السعودية الغنية بالنفط والتى تضم عددا مهما من الأقلية الشيعية. فإذا نحجت إيران فى قلب هذه الأقلية ضد الرياض، ستكون العواقب وخيمة بالنسبة للمملكة. فبدون احتياطياتها النفطية، لن تصبح المملكة العربية السعودية قوة فى الصدارة.
ولمواجهة الخطر الإيرانى، يأمل الملك عبد الله فى حل هذه المشكلة عن طريق عدة محاور أولها الإنفاق لتحسين البنية التحتية فى هذه الأماكن. ولكن المنطقة لا تزال تشكل مجالا عدم الاستقرار، لاسيما وأن اليمن، على الجانب الآخر من الحدود، تواجه المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران.
ثانيا، تسعى السعودية لأخذ المبادرة لمواجهة النفوذ الإيرانى عن طريق تكثيف المفاوضات الدبلوماسية ولكن جهودها لاتزال غير مثمرة.
وثالثا، تعمل المملكة على تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول الخليج من خلال مجلس التعاون الخليجى. بيد أن هذه الدول تعانى من قلة القوة العسكرية ولا تزال تعتمد على حماية الولايات المتحدة. حيث تضم قطر قواعد عسكرية أمريكية كما توجد أكبر منشآت بحرية أمريكية فى البحرين. فضلا عن أن القوات الأمريكية تمر عبر الكويت قبل أن تتوجه إلى العراق. بالإضافة إلى أن قطر تتقرب من إيران مثلما تفعل سلطنة عمان.
ورابعا ومن أجل الحد من التهديد الإيرانى، تسعى السعودية لتحسين العلاقات مع سوريا، بعد الفتور الذى شهدته فى 2005 أثر اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى السابق رفيق الحريرى، وهو صديق مقرب من العائلة المالكة. وقد زار الملك عبد الله شخصيا الشهر الماضى العاصمة السورية. وكانت النتيجة الملموسة الوحيدة هى تبادل السفراء بين الرياض ودمشق، الأمر الذى حدث بالفعل قبل الزيارة.
ويبدو التوتر جليا بين إيران الشيعية والسعودية السنية أثناء موسم الحج. فقد وعد مؤخرا المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله على خامنئى بعواقب وخيمة إذا تعرض المؤمنون الإيرانيون لمضايقات من قبل السلطات السعودية خلال الحج. وفسرت الرياض هذا التهديد اللفظى كدليل على القيام بتجاوزات محتملة من قبل الإيرانيين فى مكة. لاسيما وأن مثل هذه التوترات تستند إلى سابقة فى 1987، إذ تطلبت تظاهرات الحجاج الإيرانيين فى مكة المكرمة تدخل الحرس الوطنى السعودى، والذى كانت نتيجته مئات من القتلى والجرحى.
وفى النهاية يخلص مازيل إلى أن الوقت لا يلعب فى صالح الملك عبد الله الذى يبلغ من العمر 86 عاما، خاصة أن خلفاءه المحتملين أيضا يقتربون من هذه السن. ومن ثم فهو فى سباق مع الزمن، ولذلك فهو يعمل على قدم وساق ليترك وراءه دولة لها مقومات البقاء.
ويقول مازيل إن الملك عبد الله هو شخص إصلاحى ليس عن اعتقاد ولكن لأن الظروف فرضت ضرورة ذلك عليه. حيث إنه قد تلقى تربية محافظة غارقة فى الإسلام الوهابى. كما أن قبضته الحديدية قد مكنت المملكة العربية السعودية من أن تظل جزيرة من الاستقرار والبراجماتية فى الشرق الأوسط ضد محاولات الإسلام الراديكالى وإيران. وقد ساعد المملكة على تحقيق ذلك ثلاثة عوامل: النفط والدعم الأمريكى وحكم العائلة المالكة المتعقل. فهل ستستمر البلاد فى نفس هذا المسار؟ هنا يكمن كل التساؤل.
السفير الإسرائيلى السابق فى مصر يكتب.. القاعدة وإيران وخلافة الملك تهدد السعودية
الجمعة، 27 نوفمبر 2009 01:29 م