مدحت بشاى

صحافة المحروسة.. هل من وقفة؟

الجمعة، 20 نوفمبر 2009 07:16 م


لا ريب أن القيم هى أهم ما نتوارثه عبر الأجيال، وهى نتاج طبيعى للضمير الذى أودعه خالق النفس البشرية منذ بداية الخلق، حتى قبل نزول التوجيهات الإلهية عبر الأديان والعقائد والكتب السماوية وانتشار بيوت الله فى المعمورة.. إنه الضمير ووخزاته الموجعة التى كان من الضرورى استشعارها من قبل قابيل الذى كان يمثل ربع سكان الأرض بعد اغتياله لأخيه هابيل الذى كان يمثل أيضا ربعا آخر من سكان المعمورة.. وهو أيضا الضمير الذى استنفر كل قوى الخير والترفع عند يوسف الصديق فمنعه ورغم كل المغريات من ارتكاب الفاحشة.. وهو الضمير الذى دفع برجل فى الستين من عمره منذ فترة أن يقفز فى البحر لإنقاذ فتاتين من الغرق وينجح بالفعل، إلا أنه يدفع حياته ثمنا لهذا الموقف النبيل ثم بمشاعر المحب لا يتحمل ابن ذلك الرجل الشهم رؤية المشهد ونهاية حياة والده الذى أحبه فيسقط ميتا حزنا عليه بجوار جثة أبيه .

والحديث عن القيم والضمير عبر الأزمان حديث ممتد ومتواصل جاء فى رسالات الرسل وعبر آيات وقصص الكتب السماوية وأحاديث الأنبياء.. وأيضا عبر أشعار الأولين والمحدثين وفنون القدامى والمجددين وإبداعاتهم.. وتظل الكلمة بما تشكل من لغة تواصل حية وسريعة فى مقدمة الأسلحة النافذة فى تحريك الضمائر وبناء القيم.

ورغم أننا نسمع ونشاهد العديد من كتابنا ومبدعينا فى وسائل الإعلام المختلفة وهم يكررون عبارة أنهم ليسوا فى حاجة لملاحقة الأجهزة الرقابية، وأنهم يمتلكون "فلاتر"، خاصة تستطيع تنقية خطابهم للمجتمع والناس من الشوائب والرذائل.. إلا أننا وللأسف تطالعنا وبشكل خاص فى العديد من منافذ الكلمة والإبداع وبشكل خاص فى بعض الصحف التى لا يدرك كتابها قيمة الكلمة ومدى تأثيرها، فأحالوا دنيانا إلى مساحات قبح تقلص لدى الناس فرص التقاط الأنفاس والرؤية ولو من بعيد لمناطق الأمل.

لقد قال سلامة موسى منذ أكثر من نصف قرن "إذا كان الأديب يكبر بمقدار مسئولياته فإن الصحفيين هم أعظم الأدباء فى عصرنا، لأن أعظم ما يؤثر فى الجمهور ويغيره ويوجهه للخير أو للشر هو الجريدة وذلك لقوة الإيحاء الذى ينشأ من تكرار ظهورها كل يوم.. ولذلك أول شرط لبلاغة الأدب الصحفى أن يكون من يمارسه أمينا لقرائه مخلصا لمبادئه لا يخون ولا ينحرف، لأن فى خيانته أو انحرافه إفسادا للقراء وبعثا للشر، ومهمته أن ينير ويرفع مستوى البحث من ظلام الجهل والعامية إلى نور المعرفة والثقافة، ومن العاطفة إلى التعقل، وأنا لا أتصور ماذا كان يمكن أن يقول موسى فى 2006، وقد حفلت أكشاك باعة الصحف بجرائد ومجلات صارت تبيع الكذب والوهم وتروج لفضائح أخلاقية متجاوزة كل خطوط الأمان القيمية والإنسانية.. تزيف وتشوه المعتقدات وتثير الفتن وتزرع المكائد وتفتعل الحروب وتصنع من المحتالين أبطالا ومن المزيفين للتاريخ شهودا للعصر، والدخول فى منازلات وملاسنات بين قياداتها فيما أصاب أصحاب تلك المهنة بالخجل أن يكون من بينهم هؤلاء .

وقد يقول البعض إن ظهور مثل تلك النوعيات من الصحف يعد نتاجا طبيعيا فى مراحل الحراك السياسى والاجتماعى للأمم التى تعلو فيها قيم المادية، وتنزوى فيها الفضيلة فتزداد مساحات التردى والتخلف والإباحية.. إلا أن الأمر صار يشكل خطورة رغم أنه لوحظ فى الفترة الأخيرة أن القارئ قد بدأ يرفض التجاوب والتفاعل مع ما تطرحه تلك الصحافة الفاسدة.

وإلى أصحاب وكتاب تلك النوعية من الصحف أذكرهم بمقاطع من المقال الافتتاحى لرئيس تحرير صحيفة المؤيد فى أول عدد للجريدة بتاريخ أول ديسمبر عام 1889 أى منذ 117 عاما الذى أراه صالحا، لأن يشكل نواة حقيقية لوضع إعلان مبادئ يقول: إليكم يا بنى مصر جريدة نشأت فى مهد الإخلاص حميدة المبدأ والغاية تناجيكم ولا تسر النجوم لسواكم، وقد أخذت على عهدتها بث الأفكار المفيدة والأخبار الصادقة والمبادرة إلى اقتطاف الأخبار والرغبة فى استطلاع ما يكون من الأفكار من ودائع الفطرة البشرية غير تاركة شأن التجارة الداخلية والخارجية، والبحث فى حقيقة الأسعار ومبادلة التجار والأخذ والعطاء وحركات الأسواق وهبوطها وصعودها والنظر فى أسباب الارتفاع والانحطاط ومن واجباتها نشر كل ما يهم الوطنى معرفته من الحوادث معتمدين فى كل ذلك على البرهان القوى والسند المثبت والعقل.. رعاية للمصلحة الوطنية والخدمة الحقيقية بعد التروى الصادق والبحث الدقيق وإرسال النظر خلف كل سانحة..

وفى مقطع آخر يوجه حديثه إلى مراسليه: إن معرفة واجبات مكاتبى الجرائد فى البلاد متوقفة على معرفة حقيقة الجرائد ووظيفتها فيها فمن علم أنها المخبر العام والزاجر الصادع والخطيب والواعظ بالحق والمربى بالحكمة، والمشير بالصواب والمنذر بالبرهان والمصلح للخلف بأمثال السلف والمنبه لمطالب الحياة، بل صحيفة الأمم ترتسم فيها صور أعمال أفرادهم فقد أحاط علما بمعرفة تلك الواجبات فهم إن أحسنوا عملا وصدقوا خدمة وتنزهوا عن الغايات وتنبهوا لمصاد الأخبار والأعمال وخبروا حقيقة البلاد وحاجاتها ودرسوا أخلاق الأهالى، وعوائدها وسبروا أدواء النفوس وأدويتها دروا قيمة ما تتحمله ذممهم وتتكفل به هممهم من مطالب الهيئة الإنسانية كأنها الأمانة التى عرضها الله على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، فما يكون على أيديهم من المنافع والمضار للهيئات بعيد أن يسطره البنان، أو يفصله البيان، أو يحيط بكنهه جنان، فحكمهم حكم أرباب الجرائد على السواء أمام محكمة العالم مسئولون بتلك الواجبات والحقوق فليعلم الذين يكاتبون المؤيد أنهم ينقدون الأعمال، ويزنون حركات العمال، ويبحثون عن منافع البلاد لاستجلابها والتماسها وعن مضارها لدرئها.

اكتفى بذلك القدر من سطور صاحب "المؤيد" على أمل أن تكون كافية لعل الوسط الصحفى يتطهر من رجس وجود الصحف إياها.. وأخيرا نحن فى مواجهة تحدى يفرض علينا العودة لإعلاء قيم عليا ورفيعة.. وأن نعود لضمائرنا ليكون سعينا لبناء العقول هو الأهم لنؤكد من جديد ونهتف مع جيمس برستد "هنا فى مصر ولد الضمير".


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة