خلال التسعين عامٍ القادمة سترتفع مياه البحر المتوسط فى حدود من مترين إلى ثلاثة أمتار، مما يؤدى فى أفضل الأحوال إلى غرق الإسكندرية ورشيد ودمياط وبورسعيد والعريش مرسى مطروح، لكن هذا هو السينارو الأكثر تفاؤلا، أما الأكثر تشاؤما فهو أن يؤدى ارتفاع البحر المتوسط إلى غرق الدلتا كلها حتى القاهرة التى ستصبح أول حدود مصر الشمالية على البحر المتوسط.
هذه حقيقة علمية لم تعد قابلة للنقاش أو الجدال، وقد صدرت تحذيرات بشأنها منذ أكثر من عشرين عاما، وتوالت التقارير والدراسات منها ما هو صادر عن البنك الدولة أو المنظمات والمعاهد الدولية المعنية بالمناخ.
هذه الظاهرة راجعة إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بفعل ما يعرف بالانبعاثات الحرارية التى تسبب فيها الإنسان نفسه عن طريق التوسع فى استخدام الوقود عبر البترول والفحم والغاز الطبيعى، ولعل سكان القاهرة أكثر من غيرهم يدركون هذه الحقيقة، خاصة أن درجة الحرارة وصلت فى الأيام الماضية إلى ثلاثين درجة مئوية، رغم أن هذا الوقت هو أكثر أوقات العام اعتدالا فيها.. لكن هذا كان فى الماضى.
وقبل أيام عقد رئيس جزر المالديف اجتماعا لوزارته تحت الماء ليوجه استغاثة لكل العالم للتنبه لظاهرة الاحتباس الحرارى التى ستؤدى لارتفاع البحر، وإغراق جزر المالديف بالكامل من بين أكثر من ثلاثين دولة فى العالم قد تتعرض للاختفاء أو غرق أجزاء كبيرة من أراضيها تحت المياه.
لكن الملاحظة الهمة أنه بينما يجرى دراسة هذه الظاهرة عالميا والبحث عن حلول لها، لا توجد أى درسات علمية عنها فى مصر باستثناء دراسة واحدة فى جامعة الإسكندرية تعود لعام 2005، أما التحرك الحكومى لمواجهتها فهو غير موجود بالمرة باستثناء المشاركة فى المؤتمرات الدولية الرامية للتوصل لاتفاقية لتقليل الانبعاثات الحرارية فى العالم.
وفى ديسمبر المقبل ستعقد قمة عالمية فى مدينة كوبنهاجن فى محاولة للتوصل إلى اتفاقية دولية للحد من الانبعاثات الحرارية، لكنها تصطدم بالدول الصناعية الثمان الكبرى الأكثر استخداما للطاقة والأكثر تلويثا للكرة الأرضية.. والأقل تضررا فى الوقت نفسه من هذه الظاهرة!
وسواء توصل المجتمعون لاتفاق أم لا فإن أمامنا فى المقابل مهمة ثقيلة للحد من تاثير هذه الظاهرة علينا، خاصة أن سيناريوهاتها تشمل أيضا موجات متتالية من الجفاف مما يؤثر على حصتنا من مياه النيل، والتعرض لفيضانات مرتفعة يقول الخبراء أنها قد تتجاوز السد العالى لتغرق مناطق واسعة فى الصعيد، ناهيك عن تضرر الزراعات وانتشار أنواع جديدة من الأمراض والوبئة والآفات التى ستنجم عن ارتفاع درجة حرارة الأرض.
المشكلة الحقيقية فى كل هذه السيناريوهات الكارثية فى المستقبل أن البيئة هى آخر ما نفكر فيه، فإذا كنا فشلنا فى القضاء على ظاهرة السحابة السوداء التى نصنعها بأيدينا، فكيف سنتعامل مع كل هذه السيناريوهات المدمرة نتيجة أخطاء البشرية مجتمعة؟!