أسماء صباَّح تكتب من رام الله:

عازف جيتار ولحن كاذب

الجمعة، 30 يناير 2009 01:39 م
عازف جيتار ولحن كاذب

لست أدرى ما بال قلمى لا يطاوعنى, كم أود الكتابة, أريد أن أكتب عن كل ما حدث, البارحة, قبل عام أو عامين من الآن, أمسك قلما وأجلس ملاصقة للمدفأة, تزيدنى حرارتها ضيقا, يصعب على التنفس, ألتقط كوب شاى أعددته منذ ساعة, صار أسود اللون بارد, تجرأت وشربته على عجل مع أننى لا أطيق الشاى البارد, ولكننا لا نفعل دوما ما نريد.

استعدت قلمى, قلت سأكتب شيئا لليلة, كتبت "على أبواب الخيبة جلسنا نستجدى من لا يرحمنا, تركنا مع الظلام وحدنا, وحش قد يهاجمنا, نجوم تائهة فى السماء, تبحث عن أناس تعرفهم, تتسابق يمينا ويسارا, تعود إلى أماكنها دون تحقيق لأى هدف سعت مطولا لأجله". مزقت الصفحة, ألقيت بها بعيدا.

ورقة أخرى صفراء عليها خطوط حمراء لا تكاد ترى, كتبت "ألتقت قطرات ماء مرة بشعاع شمس هارب من برودة الجو, شكلا معا قوس قزح حيث تماوج الألوان واندماجها يذكرنا بأرواح تطير حرة بين الأرض والسماء, تراقب وقد تحمى من تهتم لأمره على الأرض" توقفت, مزقت ما أمسك بيدى, ألقيت بقلمى بعيدا, لن أكتب بعد الآن, الكتابة تنهكنى, تستنزفنى وتكاد تقضى على.

هربت إلى كتاب كنت أقرأه منذ حين قرأت فى الصفحة السابعة والثمانين"ما يفاجئنى على الدوام هو اكتشافى لآخرين, ماضين هم أيضا فى رحلة البحث عن تلك الجزيرة بالذات, هم يجدونها فى كتابى, شخص يخبر آخر عنها, وتكبر السلسلة الغامضة, وما ظنه الكاتب نشاطا منعزلا يصبح جسرا, قاربا, وسيلة ترتحل عبرها الأرواح وتتواصل" كويلو \ الزهير. سرحت قليلا بعد قراءة هذا المقطع بالذات, تساءلت, ماذا لو أخفق الكاتب؟ ماذا لو توقف قاربه فجأة إثر نقص فى الوقود؟ ماذا لو بقى وحيدا فى عرض البحر؟ من سيوصل القارئ إلى الجزيرة التى طالما بحث عنها؟ ماذا لو ضاع الكاتب من نفسه؟ من سيجد إبرة فى أكوام القش المتناثر؟ أسئلة ستظل بلا أجوبة.

أقنعت نفسى بأن أتوقف عن البحث عن المنطق وعن حقائق لم تكن يوما ولم تعد حقائق, وعاودنى سؤال ملح آخر, ماذا لو كان الكاتب يكذب ويختلق حكاية كاذبة من خياله, يصدقها, يطرحها على قارئ مستعد لتصديق كل شىء حتى التفاهات, هو يعرف أنها كذبة ونجهل نحن ذلك, يسهب فى الشرح والوصف والتعليق, يضيف للقصة روحا, جسدا, رائحة وأحاسيس قد توصلنا إلى التفائل والفرح أحيانا وإلى التشاؤم والخوف والحزن أحيانا أخرى, يلعب بمشاعرنا كعازف جيتار بارع, يظل يعزف ويعزف والتكرار يجعل لحنه جزءا لا يتجزأ منا, وقد يصبح واقعا لا يمكننا تجاهله فمن يمتلك الخطاب يمتلك القوة, جيثاره خطابه حتى وإن كان كاذبا.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة