
مسلسل جيد اجتمعت فيه جميع عناصر النجاح: قصة مستوحاة من لحظة حارة ساخنة، وجد فيها العرب والمسلمون أنفسهم متهمين لدى الآخر الغربى، إلى أن يثبت العكس، وسيناريو محكم مترابط بعيدا عن الترهل، وحوار ذكى ومعبر يعكس مكنون كل شخصية ويستخرج مفردات اللهجة المميزة للمصرى والكويتى والسعودى والمغربى والسورى والأردنى والفلسطينى، بالإضافة إلى مخرج مميز استطاع توجيه كل هذا الكم من النجوم والممثلين الذين اجتمع فيهم "الشامى على المغربى"، وأدار بكفاءة عمليات التصوير التى انتقلت فيها الكاميرا بين شوارع وأزقة عاصمة الضباب بشكل جديد تماماً على الدراما العربية.
ورغم كل هذه المؤهلات فإن مسلسل "عرب لندن" لم يلق اهتماماً كبيراً لدى المشاهد المصرى، على العكس بالنسبة لنظيره فى بلدان عربية أخرى، وهذه مفارقة جديرة بالتأمل، فهناك من سيقول لك: إن مصر فى علاقاتها بمحيطها العربى تشبه أمريكا فى علاقتها بمحيطها الدولى، وكما أن الأمريكان منغلقون على أنفسهم ولا يثير اهتمامهم إلا كل ما هو "محلى"، فإن المصريين أيضاً ينغلقون على أنفسهم بكل ما هو مصرى، ولهذا يعزفون عن الدراما الخليجية والسورية، وكلما سمعوا الإشادة الحارة ببراعة السوريين فى الأعمال التاريخية وجرأة الخليجيين فى طرح أوجاعهم الاجتماعية فى أعمال قوية، هزوا رؤوسهم استحياءً، وأومأوا بالموافقة ولكنهم حيث يضعون زر الريموت لا تقع عيونهم إلا على "الدالى" و"شرف فتح الباب" و"قلب ميت" و" فى أيد أمينة".!
ورغم وجاهة هذا التفسير، إلا أنه لا يهمد أمام وقائع أخرى مناقضة، فالمصرى ملول ويخلص فقط لكل ما هو شيق وجذاب، وقبل انفجار "مولد ستى الفضائيات"، كانت إذاعة إسرائيل ومونت كارلو وB.B.C على رأس اهتماماته التثقيفية والترفيهية، ثم بماذا نفسر هوس المصريين بالمسلسل التركى "نور" وولع نسائهم بـ"مهند"؟
والحقيقة أن "عرب لندن" لا يخلو من عناصر جذب من تلك التى تفتح شهية المتفرج المصرى عادة، مثل وجود توفيق عبد الحميد ونرمين الفقى ونهال عنبر، وهى أسماء تكفى لأن يحمل أى مسلسل شيئاً من المصداقية "المبدئية" لدى المشاهد المصرى، فضلاً عن قصص التطرف الدينى، والزواج الثانى، وضياع الجيل الجديد، وهى "حواديت" اجتماعية و"تيمات" فنية تعجب الجمهور، بالإضافة إلى قدرة المخرج أنور القوادرى على تقديم لوحات فنية مبهرة للعين.
ورغم كل ذلك، ومرة أخرى، لم يقع المزاج المصرى فى غرام هذا العمل، والرأى عندى أن السبب يكمن فى زحام رمضان الدرامى الذى بلغ حد التخمة، وضعف الدعايا للمسلسل، فضلاً عن وجود منافسة شرسة تتمثل فى الأسماء التقليدية لحيتان الدراما الرمضانية كيحيى الفخرانى، ونور الشريف، ويسرا، ومعهم إلهام شاهين، وميرفت أمين، فضلاً عن "قلب ميت" لشريف منير، والذى كان مفاجأة سباق رمضان هذا العام.
وأنا على يقين أن "عرب لندن" الجديد فى موضوعه والمميز فى عناصره المختلفة من إخراج وتصوير وإضاءة وماكياج، فضلاً عن الأداء التمثيلى لكوكبة النجوم الذين تحولوا إلى "جامعة عربية"، عندما يعرض بعهد انتهاء مولد "سيدى رمضان"، سيختلف رد فعل الجمهور المصرى، وسيكون هذا الاختلاف لصالح المسلسل وصناعته بالتأكيد.