سيد على عبد المعين

رداً على إسلام بحيرى..الأمة مُمَدَّدَة على أريكة الغفلة!

الجمعة، 19 سبتمبر 2008 02:16 ص


جميلٌ جدًّا أن يعود الإنسان إلى التراث باحثًا مُفَكِّرًا في زواياه الممتدة فوق رقعة طويلة من الزمن؛ لينفي الباطل الذي عَلِقَ بالكتب، ورسَا في آنية العقول زمنًا طال حتى تعتَّقَ، وصارَ سبيلًا إلى الوهم والخرافة.

ورائِعٌ أن يُعَرِّيَ الكاتب سن قلمه ليفضح الزيف، ويكشف الستر عن مُخَبَّآت الأقوال والأفكار والمزاعم التي لا يَدْعَمُهَا سَنَدٌ علمي، ولا منهجٌ صحيح.. فما أجمل هذه الغاية لو توفرت لها الوسائل المناسبة! والتي من أهمها التجرد في البحث، والموضوعية في الطرح، وإطالةُ الباحث النظر إلى ما هو بسبيله من مسائل علمية أو فكرية أو عقائدية درسًا وفهمًا، وفقهًا، وبصرًا.. فهل تحقق هذا فيما فعله الأستاذ إسلام البحيري، فيما كتبه؟!

لقد تجولت ببصري فيما كتبه الأستاذ، واستمعت إلى صوت أحرفه، وصخب الكلمات التي يكثر استعمالها في مقالاته، مثل المقدس، والمعصوم، ونقد التراث، والإسرائيليات، وكيفية التعامل مع الماضي..وفيما يتناثر بين ذلك من طعن في قامات فكرية، كالبخاري، ومسلم، والطبري، وابن كثير...إلخ!

في طرْحٍ يَتَدَثَّرُ بالمنهجية، والموضوعية، والدعوة إلى التجديد، بلغة تتوكأ على عكاز متآكل، من الركاكة، والتهافت الذي لا يكاد يخرج الإنسان منه إلا بقبض الريح! ولست هنا للرد على تلك الحفنات التي استلها الأستاذ إسلام من جولته الماراثونية في كتاب أو يزيد من كتب الشبهات والأباطيل(لا يَغُرَّنَّك التنفخ بذكر المصادر!!)؛ وأتى بها إلى بُحَيْرةِ حياتنا الراكدة، لتزيدها عكرًا وضجرًا، بلغته السقيمة، وأفكاره التي يصح لنا أن نصفها بما وصف به هو كتب التراث، بأنها باليةٌ، قد أوسعها العلماء دحضا وردًّا.. ولكني هنا للكشف عن خَبْء هذا المنهج-مع التَّجَوُّز في هذا الوصف!- الذي جاء الأستاذ مبشرا به، داعيا إليه! ويا ليته أعاد الطرح أمينًا، أو أحسن النقل صحيحًا، ولكنْ كثيرًا ما انحرف قلمه، فنسب للبخاري ما ليس فيه، وأدخل في النص ما ليس منه..وهذا كثيرٌ يؤذي بغباره البصيرَ من الناس!

فأين هو النقد الصحيح يا أستاذنا المكرم، وقد خلت نقولك من الأمانة؟! وهل من الأمانة مثلا-وهو مثال له إخوةٌ وجيران في كل مقالات الأستاذ!!-أن نقول: وقد أزاد البخاري-هكذا!- فقال: "قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك } الآية، نزلت في زينب وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما زوج زينب من زيد مكثت عنده حيناً، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى زيدا ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها، فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد، فأُلْقِي في نفس زيد كراهيتها في الوقت.

ثم جاء الأستاذ ذاكرًا المصدر قائلا: البخاري في التفسير، باب (8/523): "وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه".. ثم علق بنظره الرائع فقال: والزيادة هنا في رواية البخاري أن النبي قد أفصح – حاشاه!! - عن إعجابه بها ونسب الإعجاب لله - حاشاه – وقال: سبحان مقلب القلوب. انتهت الطرفة الخاشعة!! وإني لأشهد بكلتا يديّ، وبجميع أصابعي أن هذا النص ليس في البخاري ، ولا في مسلم، ولا في سنن أبي داود، أو النسائي، أو الترمذي، أو ابن ماجه!! وأشهد بكلتا يديّ وبجميع أصابعي أن هذا النص ليس صحيحًا..! وأشهد بكلتا يدي وبجميع أصابعي أن علماء الحديث بَيَّنُوا زيف هذه الرواية في كتب الموضوعات والأباطيل! فمن أين تَأَتَّى للأستاذ نسبة هذه الرواية إلى البخاري؟! السر هو أن الأستاذ قمَّاشٌ جَمَّاعٌ، لا يُحْسِنُ يقرأ، ولا يحسن يكتب، تمامًا كما لم يحسن أن يكون أمينًا في نسبته القول، ولا أزيد! وإنما هو يلقف ما يجده أمامه، ويسوقه إلى الناس في حشدٍ من الألفاظ البرَّاقة اللامعة، تصيح في جنبات الكون: أدركوا الإسلام..أنقذوه من أباطيل التراث..! فيتَدَاعَى إليه الناس: وما تعني بهذه الأباطيل؟!

فيصيح الأستاذ: البخاري..مسلم.. الطبري..كتب التفسير(بالجملة!)..! وكأنَّ الأمة كانت غافيةً، مُمَدَّدَةً على أريكة الغفلة، حتى جاء صاحبنا ليبعثها من جديد.. ويا ليته فعل!! ولو كان لحمدنا له أمره، ولشددنا على يديه، فلسنا من ذوي التعصب، ولا من المتحجرين المغلقين، ولكن صريح العقل يقضي : أن العاجز لن يستطيع شيئا، ومن لم يكن مالكًا أدواته، لن يستطيع الوصول إلى نتيجة، أو تحقيق هدف.. وإني لأخشى أن يكون الأستاذ الفاضل إسلام البحيري قد وقع في الفخ الذي قال عنه فولتير في رواية (كانديد) : " ثمة متعة في انتقاد كل شيء، وفي اكتشاف الأخطاء فيما يراه الآخرون جميلًا "..!

وهكذا نحن، صرنا من البناء إلى الهدم في تراثنا الذي هو ثمرة العقول المضيئة، والأفكار السامية،وليس يعني أنه خالٍ من العصمة، أن يتصدى لدرسه كل من هب ودرج! بل لا بد من طول الأناة، وحسن النظر، والأخذ من أهل العلم، كأي فرع من فروع المعرفة الإنسانية.. لا يتكلم فيها إلا أهلوها الذين هم أهلوها..والحرية في هذا الباب لا معنى لها إلا الفوضى!

ومما يعلق بسمة على وجهي أني أرى الأستاذ إسلام يزعم أن ما يفعله من باب الحرية، وكأن الحرية في مناقضة الأصول لا غير، والخروج عن كل قاعدة..كشجرة الحقل الحمقاء التي أرادت نيل وِسَامِ الحرية المقدسة، والانخلاع من جذورها" التراثية "المتخلفة، تلك التي تربطها بتربة الحقل، وصاحت متفلسفةً، متمنطقة: ولمَ لا أخرج من هذه الجذور حتى أهنأ بالفسحة في ميادين الربيع؟!

وما هي إلا ساعة، أو بضع ساعات من خروجها الكبير، حتى تيبست، وذبلت أغصانها، وانحنت ذليلةً أوراقُها، وفي آخر أنفاسها الخضراء جعلتْ تصيح: ياللحرية الحمقاء!!
شكرًا كبيرة أستاذ إسلام..
-----------------------
باحث إسلامي في مؤسسة "الإسلام اليوم" السعودية



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة