"السىء فى الأمر"مجموعة قصصية حبلى بالأسئلة

الخميس، 18 سبتمبر 2008 12:01 م
"السىء فى الأمر"مجموعة قصصية حبلى بالأسئلة غلاف مجموعة "السئ فى الأمر" لممدوح رزق

هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر والقاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدى عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية، فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه، مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أى من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة، مما يضع القارىء فى حيرة.

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة والتحيز، إنه يدين نفسه ويدين الأب ويدين الحياة.. مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية فى أن يصفها أنها ليست بالجميلة.

يقدم المجموعة بجملة افتتاحية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحاً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى "السماء" كل هؤلاء العميان) .


النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة والقصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، فى جمل مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، وتعطى للقارئ مساحة للتأمل والاستبطان باستخراج مدلولات عدة.

كما لا تعطى النصوص إجابات على أسئلة وإنما تعطى أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة.


ليست الكلمات التى تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة ودلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقارئ حرية لتأويلها وبنائها من جديد، ويأتى ذلك عند نقطة النهاية التى دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات ـ كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية - لتؤسسه على ما انتهيت إليه.


الزمن له حضور قوى، حيث يكون فى معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى والحاضر والمستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة فى تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، ومن الزمنى والغيبى تصوغ النصوص أحجية اعتراضية تبغى الحلول.


مرورنا اللحظى فى الحياة ما هو إلا بناء هش لبيوت رملية تأتى عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، ... وما الشواطىء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطىء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا.. نص (الذكرى السنوية)



شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هى إلا قناع كاذب لجذب الاهتمام وإقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط اهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، ولكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة.. نص (الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق (

الشخصيات مشتتة ضائعة فى عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ، تتأمل فى سر الوجود وماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية والشك والريبة ومحاولة الإيمان بشىء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.
شخصيات تسير وحيدة بالليل فى الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها وتبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً ولو ضئيلاً أو ملولاً على ابتساماتها، لكنها فى النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل وتنتظر المصير فى سكون وترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب وحسب.. نص (تكره الانتظار بجوار النافذة )


متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحها مثل حجر ألقى على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، ولكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلى، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهترئ الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر.

كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القارئ إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، وعند نهاية النص يكتشف القارئ موهبته فى ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب وإعادة الترتيب مرة ومرات، كأنما هو عالم مفكك ومتشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القارئ، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارئ فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل فى جلسة ود حميمة.

الانتظار محمل بالدموع الساكنة فى تربص السقوط على عتبة الخد...تيمة أساسية، الانتظار كحل مؤقت للحاضر ومتأمِّل للماضى ومتربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الانتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر وحسب... ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر وذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك وكينونتك فى واقع يمل المنتظرين ويخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً.. أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر وإنما يتفاعل غير محتاج لشىء.... أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر، ولكن لتزاحم هذا الشىء الآخر وتجد لها مكاناً تركن إليه.

فعل يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، اعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء....نص(حيث إنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة(

بين الألم والخوف والحزن والانتظار والموت يتشكل السىء فى الأمر... إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم - إنها حالة من الوعى بالذات التى أصبحت وفقا لقوانين بسكال لا شىء، ضرباً من الوعى المرعب

تشكل مجموعة النصوص ( السىء فى الأمر) علامة استفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شىء على ما يرام؟


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة