صدر مؤخراً كتاب جديد للدكتور رفعت السعيد، بعنوان "أزمة العقل العربى والإسلامى"، ويهاجم فيه ذلك الركود والرتابة، ونظرة العقل العربى للخير والشر ومعايير رؤيتهم أن الخير عصر ولى منذ زمن، وعندما يحدث جديد لا يلقى إلا العناد والرجعية.
ويدعو السعيد العقول العربية إلى رفض النمطية والتوجه إلى مراجعة التراث بشكل موضوعى يحتمل القبول أو الرفض، مشيراً إلى أننا لن نجد مستقبلاً مزدهراً لفكرنا العربى، إلا إذا كان لدينا الحس النقدى.
ويستند الكتاب إلى منطلقين أساسيين، وهما الحديث الشريف "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها"، أما الموقف الثانى فهو موقف الكاتب نفسه من كتب "التراث".
ويأتى دكتور مراد وهبة فى المعجم الفلسفى بمرادف التراث على أنه "النقل"، ويراد بها اتباع الإنسان غيره فيما يرد إليه من سلوك وسنن فى الحياة، لذلك يرى السعيد أنه يجب علينا أن نعترف بوجود "التفكير الأسطورى"، وهو كامن فى عقولنا، وهو الذى يغلب على أغلب كتب التراث.
ورصد السعيد العديد من الخرافات الأسطورية فى كتب التراث، مستشهدا بحكاية تلك السيدة التى أتت للسلطان أبو العلا، وسألته أن يعيد إليها طفلها الذى خطفه التمساح، وبالفعل خرج معها السلطان وأمر التمساح بإعادة الطفل، فلما رفض، أمر السلطان مياه النيل أن تجف، فجاءت التماسيح تبكى للسلطان، وأعادت الطفل!!
ويفرق السعيد بين قسمين ذهب إليهما المسلمون منذ نشأة علم الكلام وتعدد الثقافات، الأشاعرة وهم من تمسكوا بأن القرآن وجد قديماً، والعقلانيون وهم "المعتزلة" الذين أخذوا بما يسمى الاتجاه العقلانى ويقولون بخلق القرآن.
وقدم على بن أبى طالب نموذجاً للحوار مع المعتزلة، ذاك الحوار الذى امتد وطاوله الفقهاء من أمثال الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعى، والإمام أحمد، مشيراً إلى إدانة الخليفة المأمون، لأنه أمر بتعذيب الإمام أحمد بن حنبل لرفضه فكرة خلق القرآن، ولأن المأمون ترجم الكتب عن اللاتينية، مستعرضاً نماذج أخرى للفرق الإسلامية الشهيرة كـ"الخوارج" و"المعتزلة" و"الزنج"، والتى تحول فيها الخلاف فيما هو سياسى أو حتى شخصى إلى خلاف دينى.
ويتساءل السعيد الآن: هل نحتاج إلى ثورة عقلية جديدة، تبتعد بما هو سياسى عما هو دينى، حتى لا تتحول الخلافات السياسية إلى ادعاء بأنه خلافات دينية، أم السبيل هو إنضاج الليبرالية وحرية الرأى والاعتقاد؟.