نشكو كثيرا من تراجع سعر المصرى فى بلده، وفى بلدان العالم، وحين يتم التنظير والنقاش للتوصل إلى الأسباب التى أدت لتراجع سعره، لم يرد بين أسبابنا أبدا ما يشير إلى أن المصرى هو الذى يتحمل الذنب الأكثر فى تراجع قيمته.
وحين نناقش هذه الظاهرة، يخيل إلينا مباشرة أن الحكومة المصرية تقف وراء تراجع سعر المصرى، وننسى أن الشعب نفسه هو الذى أعطى الحكومة الكرباج الذى تجلده به، وهو من صنع مؤشر سعره لديها ولدى الغير من حكومات وشعوب أخرى.
نتحاور فى مجالسنا دائما، عن أسباب كره العرب لنا كمصريين، دون محاسبة أنفسنا، أو دراسة استعدادنا لقبول فكرة أن العيب منا وليس منهم.
لماذا يصل سعر الليلة الفندقية فى أتعس فندق فى القاهرة إلى 400 دولار للعربى، فى الوقت الذى تباع فيه نفس الغرفة للمصرى بـ 150 جنيها؟ مع العلم أن أوروبا وأمريكا وجميع دول العالم تلزم الفنادق بتسعيرة واحدة للفنادق، لا فرق بين مواطن وأجنبى.
الغريب أن هناك سياسات سعرية فى السياحة المصرية، تصيب المواطن العربى بغصة فى حلقه، حين يجد فى فنادق شرم الشيخ مثلا: سائحا من شرق آسيا، أو من روسيا، يستمتع بنفس ما يستمتع به العربى، بينما يدفع الأخير 400 دولار للغرفة، ويدفع الأول لشركة سياحة 2000 دولار، ثمنا لأسبوع فندقى، وتذكرة طيران، وأكل وتنقلات؟
لماذا تباع مصر للأجانب وفق اتفاقيات سياحية رخيصة، ويحرم المواطن العربى من الاستمتاع برقعة عربية يشعر تجاهها بعاطفة، ويكون محكوما بالتفرقة المالية؟
لماذا ترفع مقاهى القاهرة حتى "العفن" منها، الحد الأدنى للمشاريب إلى 100 جنيه، فى الوقت الذى لا تقدم فيها كوبا مغسولا، ولا يوجد فيها عامل واحد يحمل شهادة صحية، أو يرتدى زيا يعكس النظافة، أو يحمل قلبا يعكس السرور بخدمة ضيفه؟
لماذا تترك وزارة السياحة، مطعما يملكه سعودى (البيت بيتك)، على كورنيش الجيزة، ليضع حدا أدنى لدخوله يبلغ 450 جنيها، ليجمع فى شهور الصيف الثلاثة فقط، خمسة ملايين جنيه من العرب السائحين لمصر، ويهرب تاركا المطعم مغلقا طوال العام، أو يعمل "سالانسيه"، ولا يعود إلا فى موسم مجيء العرب أيضا، وتنسى وزارة السياحة أن هذا الأسلوب يمارس على أرض مصرية؟
ألا تعلم وزارة السياحة أن العربى الذى يكون محكوما بالتسول والابتزاز فى مصر، لا يصب غضبه إلا على مصر والمصريين؟
ألا تعلم وزارة الداخلية أن سائق التاكسى يستغل الراكب بمجرد معرفته بأنه ليس مصريا، من خلال لغته أو لهجته؟
ألا تعلم وزارة الداخلية من خلال شرطة السياحة، أن شبكة التسول الموجودة فى البلد، أخطر على أمن البلد وسلامتها ونظافتها من شبكة دعارة منظمة؟
زيارة واحدة إلى منطقة الحسين مثلا، كفيلة بعدم تكرارها، مهما بلغت خفة دم المصريين هناك، حيث زاد الاستخفاف عن الحد الذى يطيقه مصرى أو عربى أو أجنبى. ألا تشعر نقابة المهن الموسيقية بالعار أمام من يلوثون سمعتها بآلات موسيقية تستخدم كأدوات للتسول فى المناطق التى تحظى بجذب سياحى، مثل الحسين؟
ألا يعلم محافظ القاهرة ومحافظ الجيزة بأن القمامة التى توحل شوارع المحافظتين كفيلة بأن يمشى السائح مغمض العينين والأنف طوال رحلته، حتى يحلم بالساعة التى يخرج فيها من بلد لا يكرم ضيفه؟
بعد ذلك، لماذا نطالب الخليجى بإكرام العمالة المصرية فى بلاده، ما دامت بلده قد فقدت الحيلة فى إكرام الضيف؟ إن من يبتز سائحا يأتى إلى بلاده كى ينفق أموالا، لا ينتظر أن يكرمه أحد فى بلد يذهب إليها باحثا عن الرزق، حتى لو كان رزقه من الكد والتعب، وليس من التسول والابتزاز.
إن الهدف من حديثى عن السياحة ليس الحفاظ على مليار أو ثلاثة مليارات دولار تدخل مصر من السائحين الخليجيين، فهذا المبلغ يلهفه رجل أعمال مصرى فاسد فى أقل من الموسم السياحى الواحد. لكن ذلك لا يعنى أن نسيء إلى الضيف بالابتزاز والمناظر المقرفة، والتسول، لمجرد أننا فى غنى عن المليارات التى تأتى من الخليجيين، فهناك ما هو أعز من المال."كرامة المصرى" التى أهدرت، وسعره الذى ضاع.
يكفى أن يتفق الخليجيون على أن العامل المصرى خرج من قائمة تفضيلهم بين العمالة بجميع أنواعها، من الطبيب حتى عامل النظافة، ويكفى أن ينقلب رأى الجميع من وصف المصرى بخفة الدم، إلى الجزم بأنه أصبح "نصاب". ويتفق العديد منهم، على أن ثقافة المصرى التى رسخت فى ذاته مبدأ التهاون فى حق نفسه، لا تعينه أبدا على التسليم بحق الغير فى إنجاز عمل تقاضى عنه أجرا. لا يجب أبدا أن ننحدر طائعين إلى الحفرة، ثم نغضب ممن يهيل التراب على رؤوسنا. اللهم ارحمنا.