أسامة غريب

أمريكا ولعبة اليويو

الثلاثاء، 10 يونيو 2008 01:10 ص


اعتادت الولايات المتحدة أن تخرج على العالم بصرعة جديدة كل عام أو كل عدة شهور أو كلما اقتضى الأمر، وهذه الصرعة هى ما يسمونه بلغتهم "Hit". الغرض من هذه الصرعات التى تتغير باستمرار هو الطرق على رأس العالم و جعله لا يفيق أبدا، و استغلال السطوة الإعلامية الهائلة و القوة السياسية و العسكرية التى جعلت بلدان العالم تضع الرغبات الأمريكية و المزاج الأمريكى على أجندتها طوال الوقت، واستغلال ذلك فى عجن العالم و "تبطيطه" و تشكيله على نحو مذهل. يصل الأمر أحيانا لدرجة أننى أتصور أن "بلياتشو" يريد اللعب. والعبث أن من يفعل ذلك دولة عظمى.

هل نسى العالم صرعة العام 2000؟ هل تذكرون مشكلة الصفرين قبل مطلع الألفية الثالثة عندما حذروا العالم من الكوارث التى قد تحدث لكل الجهات التى تستخدم الكمبيوتر لأن تصميم أجهزة الكمبيوتر التى لا تعرف الصفرين قد يترتب عليها تساقط الطائرات من السماء و انطلاق الصواريخ من منصاتها و انفجار المعامل و القنابل النووية و الإشعاعية فى كل مكان.

وحبس العالم أنفاسه ووقف على أطراف أصابعه من الإثارة و الرعب و عقارب الساعة تقترب من الثانية عشرة و مطلع العام الجديد يقترب..ولم يحدث شيئ، فقط نجحت الولايات المتحدة فى أرجحة الكرة الأرضية وجعل العالم يرقص على الإيقاع الأمريكى، وجعل القضية التى شغلت بال الأمريكان فترة قليلة ـ ووجدوا لها معالجة سريعة ـ جعلوها قضية كل البشر فى أنحاء العالم لمدة عام كامل. وقبلها كانت صرعة الخسوف الكلى للشمس يوم 11 أغسطس 99 عندما، جعلونا نغلق الأبواب والشبابيك و نحكم إسدال الستائر و نختبئ تحت الأغطية خوفا من الأمراض الخطيرة وسرطانات الجلد والحروق الكاوية والإصابة بالعمي، بينما خرجوا هم يحتفلون بالقمر وهو يحجب الشمس فى الحدائق و المتنزهات، ووقفوا يتفرجون علينا ونحن نتخبط فى أشياء لا نفهمها، وكالعادة ندعو للحديث عنها فى التليفزيون كل من يشاركنا الجهل بها!

مرة أخرى نواجه "تفنينة" جديدة لعام 2003 هى مرض "السارس" الفتاك الذى يوشك أن يقضى على الجنس البشرى، فاضطربت أحوال الناس و تأثرت حركة التجارة وحركة السياحة والسفر فى العالم كله، لأن مواطنا فى الصين أصيب بالمرض ومواطنا آخر فى كندا مشكوك فى إصابته، وحتى الآن لم يخبرنا أحد عن مصير السارس و أين ذهب و كيف بدأ و كيف انتهي؟ الأمر يحتاج إلى باحث محقق مدقق يحلل لنا أسباب اختراع أكذوبة السارس و أسباب إنهاء الحدوتة بشكل مفاجئ!.

لا ننسى كذلك الرعب الذى نشروه من الجمرة الخبيثة، والرسائل التى قيل إنهم عثروا عليها مليئة بالبودرة بفعل ما سموه بالجماعات الإرهابية، ولا ننسى المعامل التى نشطت فى تحليل المادة البيضاء و الصحف التى فبركت أخبار الخطر الداهم.. وكالعادة لم يخبرنا أحد بنتيجة التحليل و لم تتعطف علينا أمريكا بأن تخبرنا عن حقيقة الموضوع و من الذين كانوا وراءه، و لماذا توقفوا الآن عن إرسال طرود الموت، ولماذا مات الموضوع بالسكتة المفاجئة.
لهذا لا أستطيع أن أنظر ببراءة الى منظمات مثل الفاو أو منظمة الصحة العالمية. وأراها أدوات تشارك بعلم أو بدون علم فى العرض الكبير الذى يقدمه العم سام لتخويف الناس و بث الرعب فى نفوسهم.

كذلك لا أستطيع ان أنظر ببراءة إلى ما تنتجه الآلة الإعلامية للميديا الأمريكية التى تعمل وفق استراتيجية تهدف لنشر الفوضى فى العالم و الاستفادة إلى أقصى حد من مناخ الرعب المصاحب للفوضى التى تحدث بفعل الصرعات الأمريكية التى لا تنتهي، و لا أستطيع أن أثق فى وسائل إعلامهم الموجهة للرأى العام الأمريكى والتى نجحت فى حقن الأمريكان بالخوف، فأعادوا انتخاب رئيس يشتهر بالجهل و السطحية هو بوش الابن، كما يستعدون لتسويق رئيس جديد لا يقل عنه تعطشاً للدماء هو المرشح الجمهورى جون ماكين. كما لا أثق أيضاً فى إعلامهم الموجه إلينا كمثال قناة الحرة أو راديو سوا رغم بثهما لبرامج حية و سريعة و تختلف عن قنواتنا الرتيبة البليدة، وذلك لأنى أدرك أن استراتيجية هذه المحطات تعتمد على كسب ثقة المشاهد والمستمع من خلال بث خمسمائة خبر صادق ودقيق بشكل محايد، مع دس خبر واحد كاذب و ملغوم بين الخمسمائة خبر. هذا التعليق أو الخبر الكاذب هو الهدف الحقيقى من إنشاء المحطة. و مع هذا فلا أملك سوى الإعجاب بالأمريكان وقدرتهم الفائقة على إنتاج الصرعات و الأكاذيب وعلى تحريك العالم كأنه لعبة "اليويو" فى يد الشيطان.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة