عادت أصوات الرصاص ومعها عويل النساء، عاد الخوف ورائحة الموت والغضب ومشاهد الدمار. دموع تسقط كالرصاص من عيون أمى وهى تتمتم بصوتها المرتجف "إنها الحرب مجدداً!"
أصداء حقد مدوية. ابتعدوا عن النوافذ والشرفات، الجميع إلى الملاجئ إنها الحرب مجدداً، المكان ضيّق، التوتر والرعب يجعله أكثر ضيقاً. خوفك محاصر فى بضعة أمتار.. معها أحلامك الكبيرة منها والصغيرة! قذيفة أر بى جي. ب 7. لم ننس بعد أسماءهم. المكان يضيق أكثر فأكثر. وأنت تتلاشى مع وجوم المحاصرين بقربك، مع بكاء الأمهات فى الشارع.. وسجالات سياسية لا بداية لها ولا نهاية.
ذكريات استيقظت على وقع أصداء النيران. تعانقنى أمى وتتذكر بحرقة قلب كيف كانت تركض قبل عشرين سنة تحت القصف فى الحى المجاور ورصاص القناصة يداعب الهواء.. كنت حينذاك أنظر إلى الوطن يشتعل من بطن أمى.. مستهجنة ورافضة كيف يتقاتل أبناء الوطن.. ترددت.. أيستحق هذا الوطن أن أولد من أجله؟
أخى يصغى إليها.. فيتذكر بدوره كيف كان أبى يخاطر بحياته تحت القنص والقصف كى يؤمن لنا الحليب والخبز. الذكريات فعلاً مؤلمة.. لكنها تلطّف أجواء الرعب وتخفّف من ضيق المكان.. تذكرنا أن الحروب هى أيضاً ألفة ومحبة.
قذيفة أخرى. فى لبنان، كل الأجيال محكوم عليها أن تشرب من كأس الحروب. وكأن ذكرى المجازر والقتل على الهوية وأعداد المخطوفين والمفقودين والمهجرين والليالى الطويلة فى الملاجئ وتحت الأدراج، ومشهد اكتظاظ الجرحى والقتلى فى المستشفيات، والوقوف لساعات سعياً لربطة خبز وسقوط القذائف العشوائية.. وكأن كل ذلك لا يكفى! رصاص ال ب. 7 يكسر الصمت مجدداً. الجميع متمرس أمام التلفاز. نتوق إلى خبر.. إلى نتفة معلومة.. فنحن لا يصلنا سوى الرصاص! يا إلهى، أيعقل أن نشاهد نشرة جوية فى ظل هذه الاشتباكات؟ الشتائم تنهمر على المحطة.. هل تسمح حرارة المعارك بنشرة جوية!؟ أترقب وجه أبى. لم أر يوماً تعابير الضعف والانكسار فى عيونه. صامت من لحظة إعلان "الدفاع عن السلاح بالسلاح". "لقد أعذر من أنذر"، كم من السهل أن نلفظ هكذا عبارة! ينظر إلينا وفى عيونه الكثير من الاعتذار.. فهو لم يأت بنا إلى الحياة كى نحاصر بالخوف والموت.. بل لننطلق بالأحلام والطموح!
لم أعد أحتمل، المكان يضيق مجدداً مع أصوات المذيعين والمذيعات وتصاريح آخر الليل الصادرة عن أصحاب القصور واللحى.. بيانات تنذر بالمزيد والمزيد من النيران! مع تجدد الاشتباكات، كانت أيضاً النكات تتساقط من وحى المناسبة.. وسيلة لتفادى الموت البطىء والتمسك بما تبقى من أمل...على أصوات الرصاص، انتظرنا طلوع الشمس.. علّه يقلب صفحة ليلتنا الداجية و يأتى بنهار مشرق!
موضوعات متعلقة:
◄حزب الله نيته التخريب وتقف وراءه إيران
◄توقف الاشتباكات بعد سيطرة المعارضة على بيروت
◄حمادة يدعو ساركوزى للضغط على دمشق وطهران
◄تحركات للجيش الإسرائيلى بمحاذاة الخط الأزرق
◄الأزهر يصف أحداث لبنان بـ"الفتن"
◄عباس يدعو الفلسطينيين فى لبنان إلى التزام الحياد
◄الجميل يصف سلاح حزب الله بـ"الانقلابى"
◄حزب الله أخطأ والحل فى نزع سلاح المليشيات
◄حزب الله يخطف لبنان
◄بيروت الدامعة
◄بيروت تحت حصار الانقلابيين
إنها الحرب مجدداً
شهادة كاتبة لبنانية من وسط الأحداث فى بيروت
الجمعة، 09 مايو 2008 10:36 م
تصوير كارول كرباج