سأظل أشعر، أن للزمن رائحة وطعماً بل ولمساً إن جاز التعبير، فلكل عام من الأعوام ، ولكل عقد من السنوات ، بل ولكل لحظة من اللحظات التى تمر علينا، حياة تختلف عما قبلها من لحظات. فأنا لم أحضر سنوات الثورة وقت تألقها الأبيض البرىء بين عامى 56 -66 ، ولم أشعر بشجن الدموع المجمدة عند وأد أحلام الجميع فى 67 ، ولم يبعد تابوت الزعيم يوم موته عنى إلى الغياب ، وأنا خلفه أغيب أنا الآخر، فى رحيل طويل.
وعيناى كانتا عينىّ طفل فى السبعينات ، لم تدركا ما حولهما من أحداث ، سواء انتفاضة يناير77 ، أو معاهدة السادات مع إسرائيل ، ولم أكن رهين سجن القلعة مع معتقلى سبتمبر 81، ولم تمثل طلقات قتل السادات لى إلا شاشة بيضاء ، أهلت فجأة، بعد اختراق الرصاص لمنصة الرئيس ، وذلك لسبب غاية فى البساطة ، أننى وقتها كنت ما أزال طفلاً ، له عقل عصفور يخشى من مغبة لمس الماء لأول مرة.
أما فى عام 90 فشممت رائحة البارود طازجة ، ورأيت دخان الحرب فى عيون كل من حولى ، بعد دخول صدام الكويت، وتعرفت لأول مرة على قصيدة النثر، ورأيت كلماتها تترك التماثيل الخشبية العتيقة ، وتتعطر برائحة جديدة ، وتغادر إلى شفافية الروح. وعرفت أن لنا سينما تشبهنا وتعبر عنا، ولا تختلف ملامحها عن ملامحنا ، فعرفت عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبدالسيد وخيرى بشارة ومن بعدهم رضوان الكاشف ، عرفتهم سوياً، وبرغم أن أغلبهم بدأ فى الثمانينات ، لكننى عرفتهم عام 90، وتلامست مع سينماهم ، وقت إيمان الجميع بها.
ومع فرادة كل منهم بعالم يخصه وحده ، إلا أنهم جميعاً اقتربوا من الرائحة المستحيلة لمعنى الوطن والأرض ، ومعنى الهواء الذى يمر فى حوارى القاهرة ، وبحر البلاد الشمالية، وقسوة الجنوب وشجنه الحنون. وشعرت ببداية أفول الإرث الستينى فى الغناء ، وليس نهايته، إذ بدأ المغنون الجدد فى فرض ذائقة جديدة على شباب تلك الفترة، أتى بها حميد الشاعرى فى النصف الأخير من الثمانينات من إيقاعات الصحراء، وحداء الإبل اللاهث فى فضاء الخلاء الممتد، ليمهد الطرق الجديدة ، لشباب بدأ بزوغه فى مستهل التسعينات، لم يستطع أن يخلص أمثالى من هوى منير وفيروز.
كذلك أدركت أن الكتاب سيبدأ فى الاختفاء أمام سطوة الصورة، فنحن أول أجيال الشاشة ، وشاشة طفولتنا كانت قناتين فقط، وشاشة مراهقتنا أكثر بقليل ، لكننا رأينا أول حرب مصورة على الهواء ، ورأينا طائرها الملوث ببترول الخليج على الشاشات، كطائر لا يختلف عنا ، فى التباس الأمر عليه، وغرابته .. ورأينا على الهواء أيضا مظاهرات الطلبة فى ميدان الصين السماوى .. وبعدها أصبحنا نحن والشاشة سواء . هى أمنا، وباعث أحلامنا ، وأصل كل الأشياء. لذا عندما أحيا هذه اللحظة الآنية ، التى تمتلئ عن آخرها بكل أنواع الشاشات : تليفزيون – سينما – دش – كمبيوتر – انترنت – لاب توب.. أستحضر عام 90، وأدرك أننى سأظل آخر أجيال القدامى فى الألفية التى مرت.
أديب ـ بورسعيد