لم يحدث فى تاريخ الكرة المصرية أن أدلى لاعب كرة بدلوه فى السياسة، وانتقد الأوضاع القائمة، وشن هجوماً على الحكومة، وطالب بالحرية والمساواة والعدل الاجتماعى، إلا هذا الأسبوع، وعلى لسان عميد الكرة المصرية حسام حسن، الذى قال لصحيفة "المصرى اليوم" إنه بات يفكر جدياً فى الهجرة من مصر، بسبب الأوضاع المتردية والغلاء وغياب العدل الاجتماعى، و"الوكسات" التى جلبتها الحكومة للشعب المصرى الذى بات محاصراً بين الفقر والغلاء! تصريحات عميد الكرة المصرية، تعد مؤشراً خطيراً، لما آل إليه حال البلاد والعباد، فحسام حسن وكما قال لى، ظروفه الاقتصادية ميسورة ومستورة، ورغم ذلك بات يستشعر خطراً، لغياب العدل الاجتماعى، والفقر الذى ضرب البلاد ويهدد العباد، وكون ظروفه المادية ميسورة ومستورة، لا يعفيه من قول رأيه، والإدلاء بشهادته التى سيحاسب عليها حين يقف أمام رب الكون! فهو لا يعيش فى جزيرة معزولة عن الناس، لأنه ابن الطبقة الشعبية المتوسطة، والكادحة، التى صنعت شعبيته ونجوميته، والتى طالما حملته على الأعناق وتغنت باسمه، وبالتالى فهو يشعر بمعاناتها، ولا يستطيع التخلى عن أبناء طبقته والتنصل منها، فأقل ما يستطيع أن يفعله هو أن يدافع عن حقها فى الحياة ويدفع عنها الشر والبلاء، بلسانه.. وهذا أضعف الإيمان.
"حسام حسن" يقول:لا أبحث عن بطولة، ولا زعامة شعبية، فأنا لست مناضلاً، ولا أبحث عن شهرة وشعبية، فقد وصلت بالشهرة إلى درجة الشبع، حتى صرت عازفاً عنها، ولا أبحث عن مال، لأنها مستورة والحمد لله، المسألة أبسط من ذلك بكثير، المسألة باختصار أن أى مصرى ينتمى لتراب هذا الوطن ينبغى أن يقلق على حال مصر، وأحوال العباد الذين يقفون فى طوابير الخبز، ولا يجدون العلاج، ولا يجدون حكومة تدافع عن مصالحهم فهى تدافع فقط عن طبقة رجال الأعمال القريبين منها، تتكلم عن الفقراء ومحدودى الدخل فى الميكروفونات، وعلى أرض الواقع تصدر القرارات لصالح طبقة الواحد فى المائة، ولمجموعة قليلة من رجال الأعمال الذين احتكروا الاقتصاد المصرى، واحتكروا الثروة والسلطة.
كلام " حسام حسن" انتهى، وهو كلام جد خطير، ويشى بأن الكيل قد فاض بالناس، لدرجة أن خرج حسام حسن عن صمته وعن النص المقدس الذى لا يخرج عنه لاعب كرة مهما كانت شعبيته الطاغية أو نجوميته. فلم يحدث أن انتقد لاعب كرة الأوضاع المتردية فى البلاد، حتى "صالح سليم" الذى عرف طوال حياته بالشجاعة، كان يتجنب حديث السياسة وانتقاد الحكومة فى وسائل الإعلام، انطلاقاً من فكرة أن كلامه لن يغير من الأوضاع شيئاً، بقدر ما سيتسبب فى التنكيل بناديه الأهلى، فقد كان يعلم أن السلطة باطشة وغاشمة، وأن الاستبداد بات تراثاً للسلطة المصرية على مدى العصور، وأن هذا التراث بات مكوناً رئيسياً فى الشخصية المصرية، المقهورة والمقموعة، والتى اخترعت أمثلة شعبية تحولت إلى قوانين وسلوكيات اجتماعية فى مواجهة السلطة، مثل " المشى جنب الحيط" ومثل "الجبن سيد الأخلاق" .ومن هنا يصبح كلام"حسام حسن" جد خطير، فهو صادر عن لاعب استثنائى وغير عادى فى تاريخ الكرة المصرية، فقد تحول إلى رمز للإرادة والتحدى واستمر فى الملاعب لما بعد الأربعين سنة، يسبح ضد التيار، ويتحدى قوانين الطبيعة وعوامل الزمن، ويسجل أهدافاً، ويصنع انتصارات وينقذ الفرق التى يلعب لها من الهبوط، ويقود الفرق الكبرى إلى البطولات.
"حسام حسن" الأسطورة المصرية التى باتت تحاكى أسطورة اللاعب البريطانى سير استانلى ماتيوز فى الستينيات والبرازيلى روماريو والكاميرونى روجيه ميلا، بات نموذجاً استثنائياً فى الكرة المصرية، لأنه لاعب الكرة الوحيد الذى امتلك شجاعة الرأى فى انتقاد الأوضاع السياسية فى البلاد.
حسام حسن الذى طالما استغلوا شعبيته فى التترات التليفزيونية، والانتصارات الكروية وأضافوها إلى الإنجازات الحكومية العملاقة غير المسبوقة، قال لى عن المشهد الذى يتكرر ويعاد وهو يقبل رأس الرئيس مبارك، حين صعد للمنصة لتسلم كأس الأمم الأفريقية.
هذا تصرف تلقائى فى لحظة فارقة واستثنائية، فقد كان الرئيس يحضر إلينا فى المعسكر ويتحدث معنا بمشاعر أبوة، ويدفعنا لتحقيق البطولة، وهو موقف أشعرنى بامتنان تجاهه، أنا وجميع اللاعبين، فحين يأتى رئيس الدولة بنفسه، ويجلس معنا، ويتحدث بمودة وأبوة وطيبة، فهذا شىء جميل، وهو موقف خاص، وأمر ينبغى فصله عن الأداء الحكومى العام، والسياسات الحكومية الاقتصادية التى جلبت الفقر والبطالة وسوء الأوضاع، فلكل مقام مقال! شجاعة حسام حسن ووطنيته وتلقائيته يجب أن نتوقف عندها، ونقرأ دلالاتها ومؤشراتها، وأهمها، فيض الكيل بالناس، فالناس قد فاض بها الكيل، لدرجة أخرجت النجم الأسطورى عن النص الذى لم يخرج عنه لاعب كرة أبداً، وهو الحديث فى السياسة وانتقاد الحكومة! فالنص المعتمد دائماً أن يشيد نجوم الكرة بالحكومة، وينسبوا إليها الانتصارات والإنجازات، فإذا ما وقعت هزيمة كروية نسبوا الهزيمة لأنفسهم أو لمدربهم، أو لاتحاد الكرة، أو الحكام! فالسلطة مسئولة عن النجاحات و الإنجازات والانتصارات.. والناس مسئولة عن الهزائم والانتكاسات! لقد بات "حسام حسن" بتلقائيته وعفويته ووطنيته، وإحساسه بألم الناس، والبشر من حوله، يحاكى نموذج " مارادونا" ولكن على مستوى آخر.
فمارادونا يقود التظاهرات المناهضة للهيمنة الأمريكية فى العالم، وفى أمريكا اللاتينية، وهو لا يترك فرصة للهجوم على الرئيس الأمريكى جورج بوش، ومناصرة الزعماء القلائل الذين يقاومون الهيمنة الأمريكية فى العالم، كاسترو وشافيز وأحمدى نجاد. الفارق بين مارادونا وحسام حسن، أن الأول يخوض حرباً إعلامية دولية، ضد البلطجة الأمريكية فى العالم، وهو موقف ينطوى على فطرة وطنية سليمة وشىء من الرومانيسة الوطنية، وهو أمر ليس بغريب إذا ما علمنا أن مارادونا تتلمذ سياسياً على يد الزعيم الكوبى فيدل كاسترو، الذى تعهد بعلاجه وإنقاذه من الإدمان على مدى أربع سنوات. تشبع خلالها بتاريخ نضال شعوب أمريكا اللاتينية فى مواجهة الإمبريالية الأمريكية، واختار " تشى جيفارا" مثلاً أعلى. أما" حسام حسن" فهو أكثر واقعية وتلقائية ومصداقية، فهو لا يبحث عن زعامة سياسية ولا شعبية وطنية، ويقول أنا لست مناضلاً سياسياً، فحياتى هى الملعب، وهى كرة القدم، وكلامى فى السياسة والأوضاع القائمة ليس جديداً، فهو كلام كل الناس فى كل مكان، وقد لا يضيف جديداً، لكنه رأى يمثل الحد الأدنى، لحقوق المواطنة، وحقى كمواطن ينتمى لهذا الوطن، وحقى كإنسان وكبشر! وهو موقف لا يمكن التراجع عنه.. إلا فى حالة واحدة: إذا كان يغضب الله.
يقبل رأس مبارك ويهاجم الحكومة .. ويهاجر من مصر:
حسام حسن أول لاعب يخرج عن النص
الأربعاء، 21 مايو 2008 04:56 م