هل تفرض الحكومات إياها الرقابة على أحذية الصحفيين، مثلما تفرضها على أقلامهم؟ مر الخاطر بذهنى سريعاً كلمحة ساخرة بعد قذف الرئيس الأمريكى جورج بوش بالحذاء فى العراق، لكنه سرعان ما أصبح حقيقة واقعة.
مقاسك كام؟ ربما يصبح سؤالاً مدرجاً ضمن البيانات التى يلتزم الصحفى بتقديمها عند مشاركته فى مهام عمل بعد واقعة قذف الصحفى العراقى منتظر الزيدى فردتى حذائه على بوش، أثناء المؤتمر الصحفى فى بغداد. فالمسألة أصبحت بالفعل تشغل المسئولين الحكوميين، وكان أكثرهم صراحة فى التعبير عن موقفه متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية؛ فالرجل قال فى خبر نقلته وكالة رويترز أن مهمته فى المؤتمرات الصحفية، ربما لا تتوقف عند متابعة من يرفع يده من الصحفيين طلباً لإلقاء سؤال وإنما أيضاً متابعة من يخلع حذاءه منهم.
والصحفى الذى يغطى الأنشطة والمؤتمرات الصحفية لزعماء الدول يخضع عادة فى بلاد العالم الثالث على الأقل لتحريات من نوع خاص. وفى وسائل الإعلام القومية، إذا شطح الصحفى فى كتابة تغطيته لهذه الأنشطة والمؤتمرات، وهو أمر مستبعد طالما اجتاز التحريات إياها، فبالطبع يكون هناك رئيس التحرير الذى يتكفل بتهذيب الكتابة. من باب الاحتياط فى بعض الأحيان ترسل تلك التغطية مكتوبة لوسائل الإعلام القومية فتلتزم بها وتقتصر مهمة الصحفى المختص على وضع اسمه على الخبر وربما كتابة العناوين. فأقلام مثل هؤلاء الصحفيين تخضع لرقابة محكمة ولم يكن يخطر على بال أجهزة الرقابة أنها ستكون مسئولة يوماً عن متابعة أحذيتهم أيضاً، وربما يصل الأمر إلى إلزام الصحفيين قبل دخول قاعة المؤتمرات الصحفية بخلع الحذاء وارتداء "أوفر شوز"، وكأنه يدخل إلى غرفة عمليات فى مستشفى أو منطقة معقمة، وربما يستدعى الأمر أيضاً مزيداً من التفتيش فى نوايا وخلفيات الصحفيين لضمان "تعقيم" المؤتمرات الصحفية من أصحاب الاتجاهات المتمردة واستبعاد أصحاب "المقاسات" الكبيرة، وقد يكون على من يرغب فى تغطية تلك الأحداث والمؤتمرات بعد الآن الانضمام إلى رابطة "صحفيون بلا أحذية" التى ربما تشكل لتضم تحت "رباطها" الصحفيين المأمون جانبهم بصورة كاملة.
واقعة حذاء الزيدى أعطت بعض المصداقية لمثل هذه المخاوف المشروعة من جانب الصحفيين الذين ستصبح مهمتهم أصعب فى التعامل مع أجهزة أمنية اعتادت ألا تترك شيئاً للمصادفة فى عملها.
جانب آخر كشفت عنه متابعة التغطية الإعلامية لواقعة الحذاء ذاتها عبر الإنترنت. فكل صحفنا القومية أصبحت لها مواقع على الإنترنت، فهى بالطبع تعتبر نفسها ليست أقل من صحف العالم المتقدم التى سبقتها فى هذا المجال، لكن مواقع صحف الحكومة عندنا خلت من أى رابط (لينك) على الإنترنت يتضمن لقطات فيديو لواقعة الحذاء، على عكس ما حدث فى موقع اليوم السابع مثلاً، فالعقلية التى تدير تلك المواقع تديرها بعقلية الصحف وليس المواقع الإلكترونية، فالعادة جرت فى تلك الصحف على عدم "إعطاء العيش لخبازه" رغم الموارد الهائلة لمؤسساتنا القومية الصحفية، لكنها بالطبع مستنزفة فى أمور أخرى، وإذا حاولت الانضمام لتلك المؤسسات فربما لن يشغلها أن تسألك عن إمكانياتك ومؤهلاتك قدر ما يشغلها أن تسألك "مقاسك كام"؟