لا يمكن أن تمر هذه الحالة بدون موقف سياسى واضح، فإلى هذا الحد وصل الشرخ بين الرأى العام وجهاز الشرطة فى مصر، وإلى هذا الحد بلغ الأمر مرحلة التشكيك فى رواية رسمية أعلنتها وزارة الداخلية فى جريمة قتل جنائية بلا خلفيات سياسية، الأمر على هذا الحال يؤكد أننا دخلنا مرحلة الخطر، فأيا كانت مساحات الاختلاف مع بعض سياسات وزارة الداخلية فإننا من جهة أخرى نثق فى أن هذا البلد لا يحتمل زلزالا يهدد بناءه الأمنى على نحو قد يدفع ثمنه الجميع.
هناك أخطاء مؤكدة فى معسكر الأمن، وهناك تجاوزات تصل إلى حد الظلم والتعسف أحيانا، لكن من ناحية أخرى يبقى من مصلحة الجميع الحفاظ على الأمن الداخلى، بحيث لا تتحول الجرائم الشاذة إلى طقس عام فى البلد، أو إلى ظاهرة تنال الكل.
فى بلادنا اليوم تحولت بعض قبائل أبناء سيناء إلى معسكر خاص مناهض للأمن، وقامت هذه القبائل باحتجاز عدد كبير من جنود الأمن المركزى فى صورة تؤكد أن الخطر بات قائما بيننا، وأن القوة المفرطة من قبل الشرطة تواجهها قوة أخرى من بين الناس، وفى بلادنا اليوم صار القتل سهلا، والسرقة فى الشوارع سهلة، والتحرش فى الميادين العامة مكررا، وتعاطى المخدرات على النواصى فعلا عاديا، والغضب ساكنا فى القلوب والضمائر ينتظر لحظة مناسبة للانفجار.
ووسط كل هذه التفاصيل، وفى الوقت الذى تترقب فيه الأعين جهاز الأمن وهو يلملم أشلاء هذا التفكك، يعلن الناس أنهم لا يصدقون روايات الشرطة فى الجرائم الجنائية، لتظهر بوضوح المساحات التى تزداد اتساعا لهذا الشرخ بين الداخلية والناس.
القضية هنا لا تحتمل المزايدات، فبقاء الوضع على ما هو عليه ينذر بأن انفلاتا أكبر قد يحدث يوما ما، وأن خطرا أعظم قد يحط على رؤوسنا جميعا، ومن ثم نؤمن بأن هذه المرحلة لا تجوز فيها المزايدات أو التراشق بالاتهامات، أو تبادل الإهانات، فالشرخ الحالى يمثل خطرا على الأمن القومى فى البلاد، وينذر بوضعية أسوأ فى الجبهة الداخلية، وقد يؤدى ذلك إلى إحدى مصيبتين: فإما أن يتسع الشرخ إلى الدرجة التى لا يستطيع فيها جهاز الأمن بسط سيطرته على الشارع، وإما أن يستأسد الأمن لاستعادة الهيبة فى الوقت الخطر فتتضاعف الخسارة، وتنشط الفصائل السرية الأكثر تهديدا للمجتمع.
المطلوب اليوم ليس توزيع الاتهامات، أو البحث عن جانٍ لتعليق كل الخطايا فوق رأسه، لكن المطلوب، وما ندعو إليه من قلوبنا، هو تحرك جاد من قبل وزارة الداخلية ومؤسسات الدولة السياسية والإعلامية والخدمية للبحث عن سبب لهذا التردى فى المناخ العام فى الثقة بين الجانبين، المطلوب إطلاق حوار يبحث فى خطايا كل الأطراف، ما الذى قادنا إلى هذا المرحلة المتردية؟ وما الذى عزز مناخ غياب الثقة بين الجانبين؟ وما هو الحل لتجاوز هذا المأزق؟علينا أن نتحاور، فليس من مصلحة أحد الانحياز إلى الشرطة مطلقا فيما تبقى بعض الأخطاء عالقة بلا حل، وليس من مصلحة أحد أيضا أن يدين جهاز الشرطة حتى النهاية ليبقى الأمن العام، وأمننا جميعا، معرضا للانتهاك.
ما الذى جرى؟ وكيف يمكن وقف هذا التدهور؟ وما هى الحلول؟
نحن ندعو لحوار مجتمعى، أو مؤتمر عام، أو نقاش جاد مفتوح بين الجميع لترقيع هذا الشرخ، أو إعادة بناء العلاقة بين الأمن والناس من جديد، الأمن الذى يجب أن يبقى دائما منحازا للناس أولا وأخيرا.