يبدو أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية سوف تستخدم مرة أخرى ضد سوريا بعد أن استخدمت ضد العراق. وقد بدأت القصة باتهامات إسرائيلية منذ سنوات بأن سوريا تسعى وتحلم لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ومن بينها الأسلحة النووية، ولذلك يجب إحباط هذه المخططات وهى فى مهدها، حتى لو أدى ذلك إلى القيام بعمليات عسكرية ضد المواقع السورية، على أساس أنها تدخل فى إطار الدفاع الشرعى، أو نظرية بوش الخاصة بالضربة الاستباقية. وكان معلوماً أن مثل هذه الاتهامات هى تكرار للاتهامات الأمريكية ضد العراق، وكانت تقوم على تكتيك معروف وهى أن توجيه الاتهام يؤدى إلى رعب الدولة المتهمة ويضعها فى موقع الدفاع، ولكن واشنطن لا تثق فى دفاعاتها فتقدم على تفتيشها بنفسها، حتى تتأكد أنها لا تسعى إلى حيازة أى من المواد المحظورة، والمعلوم أن أحداً لم يفوض واشنطن بذلك، كما أن جميع دول العالم من حقها أن تحوز كل أصناف الأسلحة بما فى ذلك الأسلحة النووية، وحتى الدول أطراف اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية إذا لم تكن دولا نووية فهى تستطيع أن تفعل ذلك وعليها فقط أن تنسحب من المعاهدة.
من ناحية أخرى فقد نصبت إسرائيل نفسها حارساً لهذه المنطقة حتى تتأكد أنها وحدها التى تحوز كل أنواع الأسلحة بما فى ذلك الرؤوس النووية، وأن تحرم غيرها حتى لا تتوازن أوضاع القوة، وتحرم إسرائيل من الهيمنة الكاملة دون منازع على مقدرات المنطقة. هذا الدافع هو الذى خلق عندها هاجس العمل على مناهضة إيران وملفها النووى، بحيث أصبح الملف النووى هو عنوان التصدى للدولة. والمعلوم أنه ليس هناك ما يمنع إيران من حيازة السلاح النووى من الناحية الفنية والقانونية إلا أن تنسحب من المعاهدة، ولكن الملف النووى الإيرانى أصبح عنواناً للصراع السياسى الأمريكى الإسرائيلى ضد إيران، بل وانضم مجلس الأمن إلى هذه الملحمة.
فيما يتعلق بالملف النووى السورى الذى تجهزه الولايات المتحدة حالياً، فمن الواضح أن إسرائيل التى قامت بعملية عسكرية فى موقع سورى قالت إن هدفها هو إحباط مشروع نووى سورى. هذا العمل كان يجب أن يلقى الإدانة الكاملة من مجلس الأمن، بل إن سوريا فتحت منشآتها للتفتيش لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولكن الوكالة عادت مرة أخرى لتقول إنها عثرت فى موقع الغارة الإسرائيلية على آثار لليورانيوم، وإنها تريد أن تتحقق إن كان هذا اليورانيوم جزءاً من نشاط نووى سورى. وهذا الموقف بالغ السخف، لأنه يريد ببساطة أن يخضع سوريا وأراضيها لابتزاز الوكالة التى تسيطر عليها الولايات المتحدة، وكان أولى بالوكالة أن تقول لنا ماذا فعلت مع إسرائيل التى تحوز بالفعل أسلحة نووية، وماذا أسفرت عنه زيارة محمد البرادعى مدير عام الوكالة إلى إسرائيل. والحق أن موقف الرأى العام من محمد البرادعى فى العالم العربى لا يزال غير واضح، فهو عندهم يعمل لصالح الولايات المتحدة، ولكنه أحيانا يتخذ مواقف تغضب الولايات المتحدة أو يفترض أن تؤدى إلى ذلك، ولكننى لا أزال أذكر القسم الذى قطعه البرادعى على نفسه بأنه سوف يستقيل إذا هاجمت واشنطن العراق. وعلى أية حال فإن قصة البرادعى فى المجال النووى سوف تروى عندما تتكشف الوثائق، ولكن الذى يهمنى فى هذا السياق أن سوريا لها كامل الحق فى أن تمنع مفتشى الوكالة من التفتيش على مواقعها العسكرية، فقد فشلت الوكالة فى أن تفعل شيئاً محترما فى سياق منع الانتشار النووى، وأصبحت فعلاً أداة طبيعية فى يد واشنطن. ورغم أن سوريا تدرك التبعات الاقتصادية والعسكرية لحيازة السلاح النووى، إلا أننى أتمنى أن تتملك سوريا وبقية الدول العربية سلاحاً نووياً تواجه به إسرائيل، فلا يجوز أن يتحلى العالم العربى بالأخلاق فى عالم تخلى تماماً عن كل الأخلاق، والعالم العربى فى كل ذلك لا ينتهك قانوناً ولا يستحدث سلوكاً.