دائماً ما يرحب الدكتور مصطفى السعيد رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، بفكرة انتقال أصول الدولة إلى المصريين، ولكنه يرى أهمية إزالة الغموض حولها، مطالباً بوضع قيود حتى لا تنتقل هذه الأسهم للمحتكرين من رجال الأعمال.
الدكتور مصطفى عضو لجنة السياسات بالحزب الوطنى، اعترض على الفكرة السائدة بأن القطاع العام جريمة يجب التبرؤ منها، بل طالب بضرورة أن تكون السلع الاستراتيجية فى يد الدولة حتى لا تكون هناك احتكارات، مؤكداً على ضرورة وجود قوانين تجعل العلاقة بين رجال المال والسلطة شفافة، مثلما يحدث فى الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيرا طالب بتفعيل الدور الرقابى للبرلمان، من خلال منح حرية الرأى والتعبير لأعضاء الحزب الوطنى فى مجلس الشعب.
اليوم السابع كان له مع الدكتور مصطفى السعيد الحوار التالى..
ما هو تقييمك لنقل أصول ملكية قطاع الأعمال للمصريين؟
إن الهدف هو زيادة كفاءة الأصول بإيجاد إدارة جديدة وقواعد جديدة، بمعنى إخراج هذه الشركات من إدارة الدولة، وإنشاء جهاز يتولى إدارتها بعيدا عن البيروقراطية الحكومية، وبالتالى تصبح قادرة على تحقيق معدلات نمو وفائض أفضل، مما يساعدها على تحقيق مزيد من المشاركة الشعبية حتى يشعر الناس أنهم يمتلكون الأصول.
لكن هناك غموض يدور حول برنامج إدارة أصول الدولة؟
نعم.. وهذا يستلزم توضيحات حتى يتم إزالة أى مخاوف، كما لابد أن تكون الانتقادات محل حوار، فمثلا هناك من يرى أن إعطاء الأسهم مجانا، سيجعل المواطنين يبيعونها بسهولة، ولابد من قيود، فيصبحون أكثر حرصا عليها. كل هذه الآراء وغيرها تحتم ضرورة وضعها للنقاش العام، فمن المهم الاستماع جيدا لرأى النقابات المهنية والعمالية، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام التى تتيح أكبر فرصة لكل الأطراف لمناقشة المشروع.
هناك من يرى أنها خدعة من الحكومة تضحك بها على الناس وتكون الحصيلة صفر؟
"يعنى إيه بتضحك على الشعب، وليه هى أخذت منهم حاجة؟! دى هى هتعطيهم الأسهم مجانا"، فكيف إذن تضحك عليهم؟.
ما هى الضوابط التى يجب وضعها حتى لا تقع هذه الأسهم فى يد رجال أعمال محتكرين؟
أنا ضد وقوع الأسهم فى يد المحتكرين، فمثلا فى البورصة لا أحد يستحوذ على أكثر من 10% من أى شركة إلا بعد الرجوع لسوق المال، ومثلاً يجب ألا يسمح أن يبيع أحد هذه الأسهم لفترة معينة ولتكن عشر سنوات، أو وضع قيود أخرى بحيث لا تنتقل ملكية الأسهم إلا بعد موافقة الشركة أو الحكومة.
لماذا كانت كل هذه السرية قبل طرح المشروع؟
ليست سرية، لقد ناقشناه بشكل عام داخل اللجنة العليا للسياسات، وكان هناك اتفاق على الفكرة من حيث المبدأ على أن تترك التفاصيل للحوار.
هل أخذوا رأيك كرئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب؟
نعم... بوصفى عضوا فى لجنة السياسات.
هناك من يرى أن الفكرة هدفها زيادة شعبية جمال مبارك؟
الفكرة طرحها الرئيس مبارك، وتبنتها لجنة السياسات، وليس هناك مانع أن يقوم النظام بطرح فكرة ما ليكسب شعبية، فالأصل أن يسعى للحصول على الشعبية.
ما مدى صحة تصريحات الحكومة من أن تأثير الأزمة المالية سيكون ضعيفا؟
القطاع المصرفى لن يتضرر نتيجة السياسة الائتمانية القائمة على عدم التوسع، ولكن سيكون هناك تأثير فى إيرادات الدخل القومى مثل دخل قناة السويس والسياحة والبترول.
هل معنى هذا أن الموازنة فى حاجة لإعادة تقييم؟
لا.. لأن النقص فى بعض إيرادات الموازنة يمكن أن نعوضه من خلال التوفير فى بنود أخرى، مثل التوفير الذى سيتحقق من الدعم بعد انخفاض الأسعار، ولدينا موارد مالية يمكن استغلالها فى التنمية، مثل تخفيض احتياطى البنك المركزى من 34 إلى 25 مليارا، وهذا الرقم فى الحدود الآمنة، بحيث يتم توجيه الفرق إلى إقامة مشروعات تنموية.
لماذا لم تناقش اللجنة الاقتصادية الأزمة حتى الآن؟
حددنا موعدا.. لكن تأجل بسبب سفر الوزراء، ثم انشغالهم بمؤتمر الحزب، لكن سوف نجتمع قريبا لتقييم آثار الأزمة.
كيف يمكن تقليل الآثار السلبية للأزمة على مصر؟
لابد من تغيير الفكر الاقتصادى السائد، الذى يعتبر القطاع العام جريمة علينا التبرؤ منها، والذى يرى أن القطاع العام غير كفؤ، ولابد من تصفيته ونقل ملكيته للقطاع الخاص.. فالأزمة الحالية أكدت ضرورة أن يمتد دور الدولة إلى تنشيط الإنتاج من خلال إنشاء مشروعات. فالدولة لابد أن تكون موجودة فى الدول النامية حيث القطاع الخاص ضعيف، ولم يصل بعد للمشروعات الفاعلة، وهناك صناعات لا يقبل عليها.
هل هذه عودة إلى الاشتراكية؟
لا.. اقصد انتهاء الدور القديم، حيث كانت الدولة تدير الاقتصاد بقرارات سياسية وغير مدروسة علميا، ولكن الدور المطلوب يقوم على أنها المالك، ثم توكل الإدارة لأشخاص أكفاء دون تدخل.
كنت من المعارضين لبيع قطاع الغزل والنسيج.. فهل أنت راض عن حالته الآن؟
من الأخطاء الكبيرة عدم زيادة كفاءة هذا القطاع، وتركه تحت ضغط التوجه نحو الخصخصة دون مساعدته خشية الاتهام بالعودة للقطاع العام.. فى نفس الوقت تواجه صعوبة بيعه، لأنه مثقل بالعمالة، وبالتالى كانت النتيجة النهائية الانهيار، وخسرنا قطاعا مهما كان يمكن أن يلعب دورا حيويا فى التصدير، فمثلا قطاع الغزل فى تركيا يصدر بحوالى ثمانية عشر مليار دولار، فى حين أن قطاع الغزل فى مصر لا يصدر سوى بمليارين، رغم أن القطاع فى مصر كان أقدم وأقوى.
إذن أنت لك تحفظات على برنامج الخصخصة؟
نعم هناك صناعات كثيرة تم خصخصتها، وأدت إلى ظهور الاحتكارات مثل: قطاع الأسمنت الذى تم بيعه للأجانب، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، فتكلفة طن الأسمنت لا تتجاوز 180 جنيها، ويتم بيعه بـ 450جم، وفارق التكلفة والبيع يتم تحويله للخارج.. لذلك لابد أن يكون للدولة والجهاز المصرفى دور فعال فى الصناعات الاستراتيجية، ويجب تغيير الفكر الذى يرى أن القطاع العام غير كفؤ وغير نشيط، فالقطاع العام فى الصين يمثل 80% من إجمالى الشركات العاملة هنا وهو ناجح، وفى الهند تمتلك الدولة 70% من القطاع المصرفى.. فالخصخصة يجب أن تكون للقطاعات التى لا تستطيع الدولة إدارتها، وللصناعات التى لا يمكن أن تؤدى لاحتكار. ومن الممكن أن تقيم الدولة مصانع ومشروعات صناعية، ثم تبيعها فى اكتتاب، ثم تستخدم الأموال فى إقامة مصانع أخرى، وهذا من شأنه زيادة النشاط الاقتصادى، بدلا من استخدام أموال الخصخصة فى سد عجز الموازنة وأغراض استهلاكية.
هل ارتفاع أسعار الحديد سببه الاحتكار مثل الأسمنت؟
أسعار الحديد تتوقف على سعر البليت المادة الخام، ومعظمها يتم استيرادها من الخارج، وهذا لا ينفى تحقيق مصانع الحديد أرباح كثيرة خلال فترة ارتفاع الأسعار، والدولة حاليا تمتلك مصنع الحديد والصلب بحلوان وشركة إسكندرية للحديد والصلب ويجب عدم التفريط فيهما.
هل كانت لك بعض الاعتراضات على قانون المنافسة ومنع الاحتكار؟
لابد أن نعيد النظر فى فلسفة القانون وصياغته لسد بعض الثغرات، فالقانون الحالى لم يتعرض للشركات التى تحقق أرباحا مبالغ فيها، ولم يتناول قضية الاستحواذ، ولم يتعرض من خلال دراسات فنية لمفهوم الممارسات الاحتكارية.
هل هذا هو السبب فى عدم حضورك اجتماعات اللجنة الاقتصادية لمناقشة تعديل القانون الذى تقدم به أحمد عز؟
كنت ضد وضع أى عقوبات على من يبلغ عن جريمة احتكارية، لأن الإعفاء سيشجع على كشف أى ممارسات احتكارية، وكانت الحكومة تتفق معى ممثلة فى المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة، ولكن الحزب كان له رأى مخالف يتمثل فى عقوبة المبلغ، ووافقت الأغلبية عليه.
لماذا لا يشعر المواطن بنتائج الإصلاح الاقتصادى حتى الآن؟
لأن نوعية النمو متركزة فى قطاعات لا تحقق عائدا مباشرا للمواطن، فالاستثمار فى قطاع مثل الغزل والنسيج يوفر فرص عمل مما يؤدى إلى زيادة الاستهلاك والنمو، بعكس قطاع مثل الاتصالات، لذلك يجب إعادة النظر فى اختيار قطاعات النمو، مثل البنية الأساسية والطرق والتعليم والصحة، فهى تمنح فرصة للتنمية المستدامة.
هل تجاوزات رجال الأعمال سببها ارتباط السلطة بالمال؟
طبعا.. احتمالات تجاوز رجل الأعمال الذى يمتلك السلطة أكبر، لذلك فإن الأمر يحتاج إلى وضع قواعد تنظم الأمر، فمثلا فى أمريكا عندما يتولى رجل سلطة رئيس الجمهورية، يترك جميع أعماله فى يد هيئة تتولى إدارتها بعيدا عنه، إلى أن تنتهى فترة رئاسته، ثم يتسلمها، وذلك لمنع أى استغلال للنفوذ.
لماذا لا نشعر بدور مجلس الشعب الرقابى؟
مجلس الشعب مارس دوره الرقابى فى العديد من القضايا، منها قضية "العبارة السلام 89"، ولكن هذا الدور يحتاج إلى تفعيل من خلال ترك حرية للنواب للتعبير عن أرائهم، وهذا هو دور الحزب الوطنى لأنه صاحب الأغلبية فى المجلس، فالحزب عليه أن يحاسب حكومته.
لكن هناك من يرى أن هذا يتناقض مع الالتزام الحزبى؟
إنهم يفسرونه بشكل ضيق، ولابد من المرونة فى تطبيق هذا الالتزام حتى لا يصل الأمر إلى مرحلة الانفلات، مما يساعد على مواجهة الفساد.
هل توافق على سياسة بيع البنوك المصرية لبنوك أجنبية؟
حجم البنوك الأجنبية من إجمالى الجهاز المصرفى بلغت نسبة 50%، وهو ما يخل بالتوازن المطلوب، مما يؤدى إلى ظهور العديد من السلبيات فى القطاع المصرفى، منها: زيادة الائتمان الموجه إلى السلع الاستهلاكية، مثل استيراد السيارات والأدوات المنزلية.. وإذا افترضنا أن تلك البنوك قدمت تسهيلات ائتمانية لأغراض الاستثمار، فإنها تنحاز نحو الشركات متعددة الجنسية العاملة فى مصر، على حساب منح هذه التسهيلات للمشروعات المتوسطة وصغيرة الحجم، بما يحول دون نمو الطبقة المتوسطة التى تعد أساس التنمية، ومن هذا المنطلق أرفض بيع بنك القاهرة.
د. مصطفى السعيد يرى أن القطاع الخاص فى مصر ضعيف!!