جزمة صلاح عيسى والأزمة المالية .. والمثلث العاكس

الأحد، 05 أكتوبر 2008 10:14 م
جزمة صلاح عيسى والأزمة المالية .. والمثلث العاكس حال البلد يشبه حال جرائده

بقلم إبراهيم داوود

خبر صغير نشرته "البديل" آخر أيام رمضان أعاد إلى صلاح عيسى لياقته القديمة فى "المصرى اليوم"، الخبر هو سرقة حذاء محافظ سوهاج محسن النعمانى من المسجد بعد صلاة المغرب. فى ليلة القدر التى لبى فيها دعوة القيادات الأمنية بالمحافظة للإفطار، وبدون أن يدرى رسم عيسى صورة لحال الصحافة المصرية وبرامج "التوك شو"، عندما افترض أن الإعلاميين الذين انشغلوا بمسلسلات رمضان لم يتمعنوا الخبر كما ينبغى، وأنه لولا التوقيت لخرجت الصحف بصيد ثمين، المكان الذى نشر الخبر لو عرف قيمته لجعله ما نشيت "بسبب سياسة الحكومة / الحفاء يزحف ليصل إلى المحافظين" ولنشرته الدستور "النظام الحافى / الصراع بين أحمد عز ومحسن النعمانى ينتهى بسرقة حذاء المحافظ والمرشد العام للإخوان المسلمين يقول: حفاء المحافظين عقاب من المولى عز وجل لما يرتكبونه من جرائم فى حق رهبان الليل وفرسان النهار"، ولنشرته المصرى اليوم "ننفرد بنشر صورة حذاء النعمانى/ تقرير سرى خطير لجهة أمنية يقول: الحذاء مقاس 42 ومصنوع من جلد الثعبان ومستورد من إيطاليا وثمنه ألف دولار".
أما "الفجر" فلعلها كانت ستنشره بعنوان "بعد اختفاء حذاء النعمانى ننفرد بنشر صور الأجزاء العارية من جسد الحكومة"، بينما تنشره صوت الأمة "اختفاء حذاء المحافظ جزء من سيناريو التوريث/ حركة كفاية تغير شعارها إلى كفاية تمديد كفاية توريث كفاية حذاء"، أما الكرامة "بعد كوارث الدويقة والشورى ومجلس الشعب والمسرح القومى دليل على أن البلد راح فى داهية" ، الأهرام ستخرج بمانشيتات تقول "رئيس الوزراء يشكل خلية أزمة لمتابعة البحث عن الحذاء المختفى/ اجتماع طارئ لمجلس الوزراء لدراسة أساليب مواجهة الأزمة/ وزير الخارجية يحذر الرئيس بوش من التدخل فى أزمة الجزمة، ويقول إنها شأن داخلى محض".

سخرية صلاح عيسى لها ما يبررها، لأنك أمام طرق مختلفة فى التفكير. طرق لا تتغير، كل مطبوعة تسعى لصيغ كل خبر بوجهة نظرها فى الحياة، تشعر وأنت تتجول فى الصحف المستقلة والمعارضة أنك فى خطر. وفى الصحف القومية أنك تعيش أزهى أيامك لا أحد يتحدث إلى أحد، تنتقل بين هذه الصحف وكأنك تنتقل بين جزر متباعدة ، لكل جزيرة حاكم مستبد، يحاول إقناع رعاياه بأنه صادق وأمين ومستقل ويعرف الأصول ويضحى من أجل مستقبل الأجيال القادمة.

الصحافة الحرة فى المجتمعات الحديثة ـ كما قال سلامة أحمد سلامة فى الأهرام ـ مثل الرئة فى جسم الإنسان. فهى تستقبل أطناناً من الهواء، قد لا يحتوى إلا على نسبة ضئيلة من الأكسجين إلى جانب كمية هائلة من العوادم والشوائب تطردها مع كل زفير إن أمكن وقد يبقى بعضها فى الرئتين رغم ذلك، بحسب درجة النقاء والشفافية أو الفساد والتلوث فى البيئة المحيطة، والحاصل فى الصحافة المصرية الآن ـ يضيف سلامة ـ هو أن الفساد فى البيئة المحيطة واضطراب حركة المجتمع مع تعدد مصادر الفساد وإغراءاته الاقتصادية والسياسية، وتسلط فكر سياسى لم يخرج من عباءة الحزب الواحد. لم يترك للصحافة فرصة استشراف أفاق أرحب من تلك التى تفرض نفسها لغلظة على المجتمع"، الحكم بسجن إبراهيم عيسى يفتح صفحة جديدة، لا مجال فيها للارتجال، لأن السلطة وضعت معارضيها خصوماً سياسيين ينبغى حبسهم إذا استدعى الأمر، فى السنوات الثلاث الأخيرة لعبت الصحافة المستقلة تحديداً، دوراً لا بأس به فى بعث الحيوية فى بعض قطاعات المجتمع، ولكنها لم تنجح فى بلورة "روح صحفية نقية" تنحاز للقارئ بعد أن نجحت السلطة فى الوقيعة بين الجماعة الصحفية، وبعد أن تدخلت جهات داخلية وخارجية لشراء ذمم عدد كبير، نجوم اللحظة، الأزمة المالية العالمية أكدت أننا نفتقد فى مصر المحرر الاقتصادى "الكونى"، القادر على قراءة المشهد "على بعضه"، واكتفت صحفنا بالنقل عن وكالات الأنباء واكتفى المسئولون بتطمين الناس.

فى الجمهورية أعلن مصدر مسئول بالبنك المركزى، أن الاحتياطات الدولية بالنقد الأجنبى آمنة، ويتم استثمارها فى سندات حكومية أمريكية وأوروبية ويابانية. وقال إن المركز المصرى سبق الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى وبنك انجلترا بعامين باستحواذه وتأميم 3 بنوك هى المصرى المتحد والمصرف الإسلامى وبنك النيل فى كيان واحد "المصرف المتحد" برأسمال مليار جنيه مدفوع ومملوك للبنك المركزى"، ومع هذا تساءل فاروق جويدة فى الأهرام بعد يومين: ماذا حدث للاحتياطى المصرى من النقد الأجنبى بعد الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التى شهدها الاقتصاد العالمى بصفة عامة والاقتصاد الأمريكى بصفة خاصة؟ وماذا عن سلة العملات التى وضعت فيها الدولة هذا الاحتياطى والذى اقترب كثيراً من 35 مليار دولار؟ وأين أودعت الحكومة هذا الاحتياطى وفى أى بنوك؟ وهل أدى إفلاس بعض البنوك الأمريكية إلى إلحاق أضرار بنا؟ وما هى حدود هذه الأضرار؟ وماذا عن الانخفاضات المتلاحقة فى أسعار الفائدة العالمية؟ وما تركه ذلك من آثار على الاحتياطى المصرى؟ هذه الأسئلة المشروعة تحتاج إلى إجابات والإجابات تحتاج إلى صحف والصحف تحتاج إلى محررين لا يعملون عند مصادرهم!

فى مجال الاقتصاد ولا تعرف من الصادق، اللواء فاروق المقرحى مساعد وزير الداخلية السابق قال لصوت الأمة إن مصر بها 150 ملياردير و50 مليون فقير، عبد المنعم سعيد قال فى المصرى اليوم إن حال مصر ـ حسب معيار جينى ـ أفضل من البرازيل والصين وماليزيا وتركيا والمكسيك والمغرب وحتى الولايات المتحدة، وضرب مثلاً بزيادة مبيعات السيارات وارتفاع المبالغ المودعة فى البريد 23.7% والشيكات البريدية 44.5%، وارتفاع متوسط الأعمار من 57 سنة عام 80 إلى 72 سنه عام 2008!

رئيس تحرير النسخة العربية من "لوموند ديبلوماتيك" سمير العيطة لخص المشهد، "خذوا مصر مثالاً إذ إن هناك إشارات لا تكذب. حريق مجلس الشورى، أحد رجال الأعمال متهم بإرسال رجل أمن سابق لقتل عشيقته بشكل وحشى، جبل ينهار على منطقة عشوائية يسكنها الفقراء ويترك مئات المفقودين تحت الأنقاض، ثم حريق آخر فى المسرح القومى، رجال الأعمال فقدوا مصداقيتهم رغم كل الجهد (المعنوى والمادى والإعلامى)، والناس تصفق .. للجيش عندما يأتى لإطفاء الحرائق أو لإنقاذ الضحايا، فى حين يعمل اقتصاديوه اللامعون (خريجو مدرسة تأليه السوق فى صندوق النقد والبنك الدوليين، والذين نسوا حتى لغتهم العربية) على خصخصة التعليم العالى".

وبمناسبة الصحافة أرسل لى المخرج الكبير على بدرخان قبل أسبوع رسالة بمناسبة المثلث العاكس الذى فرضته الحكومة على المواطنين، تقول "خذ بالك (المثلث بتاع المرور)، وطبقاً للمواصفات المنشورة اليوم، لازم يكون بيتحمل سرعة رياح 67 كيلو متراً فى أى من الاتجاهات ودرجة حرارة 65% لمدة 16 ساعة والغمر فى الماء لمدة ساعتين فى درجة حرارة 38 (مش حكومة بنت .........)".



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة