سفير د.عبدالله الأشعل

هل تتأثر مصر بالعالم المحيط بها؟

الجمعة، 10 أكتوبر 2008 11:00 ص


من المفيد أن نستذكر بعض المشاهد القريبة جدا من مصر فى العالم الثالث، لأن المقارنة بين مصر وأوروبا مقارنة ظالمة، وقد حاولت مصر أن تكون قطعة من أوروبا فى القرن التاسع عشر ولكنها فشلت، رغم أن أوراق التطور وإمكانياته موجودة فى مصر، فالمصريون الذين يعملون فى كل المواقع فى أوروبا، يستطيعون أن يجعلوا مصر أعظم من ذلك إذا أتيح لهم ذلك، ولن يتاح لهم ذلك مطلقا مالم يصر المصريون أنفسهم على التغيير، وأن يترجموا عذاباتهم إلى محاسبة لحاكمها، وأظن أن الشعب المصرى بدأ يسير فى هذا الطريق، فلا نعلم متى يصل إلى نقطة التفاعل ويقدم بشجاعة على مواجهة ظالميه، ومحاسبة حكامه وأثريائه الذين لمعوا فى ظلام مصر وكتبت لهم الحياة بين الأموات، ونستطيع أن نقدم للقارئ بعض المشاهد من حولنا، لعل ذلك يسهم فى وصول شعب مصر إلى نقطة التفاعل.

المشهد الأول فى جنوب أفريقيا، حيث دار صراع مكتوم بين الرئيس أمبيكى وبين نائبه زوما، وشعر الناس أن أمبيكى يريد أن يتخلص من زوما فأبرز بعض أخطائه التى تتعلق بالفساد، ولكن القضاء فى جنوب أفريقيا هو قضاء شجاع وصمام أمان يعلو على الحاكم مهما كانت قامته، لأن القضاء من وظائف الله تعالى ويستمد القاضى قدسية عمله من قدسية وظيفته ودوره، فرفض القضاء إدانة زوما، واتهم الإعلام رئيس الجمهورية بمحاولة التأثير على القضاء ونفى الرئيس ذلك، ولكن حزبه الحاكم تصدى له وطالبه بالاستقالة حتى تظل جنوب أفريقيا، مهما يتسابق الحكام على إحراق الحقيقة. وقد لفت نظرى ذلك المنظر الذى كان يسير فيه مانديلا وهو يربت على كتف رئيس الجمهورية تلميذ مانديلا قبل الاستقالة بساعات، ولعل مانديلا لايزال يتمتع بهذا الوزن الروحى الحافظ للنظام الديمقراطى، والذى يمد القضاة بالشجاعة كما يرفد الحكام بالحياء.

المشهد الثانى من تايلاند، حيث طلب الحزب الحاكم أن يستمر رئيس الوزراء الذى أدانه القضاء، ولكن المحكمة الدستورية فى تايلاند قررت بطلان هذا الإجراء، مرة أخرى يستقيل رئيس الوزراء امتثالا لقامة القضاء، ولم يحاول رئيس الوزراء أن يرتكب حماقة مشرف فى باكستان عندما قام بحل المحكمة الدستورية وفصل القضاة عندما تصدوا له، وكان ذلك إمعاناً فى وصوله إلى الهاوية.. الدرس من أفريقيا وآسيا هو أن القاضى المحترم يتساقط أمامه أوهام الحكام، وهو الذى يحفظ للدولة هيبتها فيعتدل النظام.

المشهد الثالث من اليابان، حيث أظهرت استطلاعات الرأى العام تدنى شعبية رئيس الوزراء، وقد جرت العادة فى اليابان على أن الموظف العام لا يبقى فى منصبه إذا لم يرض عنه الشعب، ولكن القاعدة عندنا أنه كلما أخطأ المسئول وازدادت كراهية الشعب له، كلما كان ذلك أدعى إلى تحدى مشاعر الناس واستمراره فى أخطائه، لأن النظام يحميه ويثق أن أخطاءه هى مزايا، وأن غضب الشعب هو ترتيل، وأن المهم هو رضا من عينه. استقال رئيس الوزراء وحمدنا الله أنه لم يتهور فينتحر كما فعل بعض أسلافه، ومعاذ الله أن نجد فى كلمة استقالة أو انتحار وجودا فى قاموسنا، الاستقالة احتجاجا على الحاكم الذى لا يجوز الاحتجاج عليه، والانتحار تحدى لإرادة الله، وهكذا ارتاحت النظم المصرية المتعاقبة إلى التفسير الدينى والسريالى للكلمتين.

المشهد الرابع حدث فى زيمبابوى التى قال رئيسها موجابى، إنه حصل على استقلال البلاد وإن المعارضة عملاء يريدون العبث بهذا الاستقلال، وإنه سيظل رئيسا حتى الرمق الأخير، وبناء على هذه القناعة عصف بالمعارضة وتجاهل الضغوط وأجرى انتخابات هو بطلها الوحيد، ولكن إصرار جنوب أفريقيا على تحسين صورة زيمبابوى أدى إلى إبرام اتفاق لمشاطرة السلطة، حتى لو ظل موجابى فيه رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء، المهم ألا يكون الشخص الوحيد الأبدى على المسرح.. حدث نفس الشئ بشكل أوسع فى كينيا خلال هذا العام، والسبب أن هناك معارضة تؤمن بحقها فى انتقال السلطة وأن الكرسى لم يوضع للحاكم بالاسم ولم ينقش عليه اسمه، وإنما الكرسى ملك المجتمع يتبادله الأشخاص الذين يختارهم المجتمع والبقاء دائما لله.

ونختم هذه المشاهد بأنجولا، التى قبل الحزب الحاكم فيها منذ عام 1975 بإجراء أول انتخابات ولو غير حرة، المهم أن المعارضة قبلت بها، علما بأن حزب يونيتا المعارض لعب دورا ضد مصلحة أنجولا، وأن حزب نايبالا الحاكم هو الذى حافظ على مصالح البلاد، ولكن بعد المصالحة والتسوية، فلابد أن حزب يونيتا قد أدرك أنه لم يفعل المطلوب حتى يستحق الفوز، وتلك شجاعة أدبية فى بيئة تطرح فرصاً جديدة.. ندعو الله مخلصين أن تكون هذه المشاهد معدية لنا وأن تظهر علينا أعراض العدوى. فهل تستخلص مصر النظام والمعارضة والشعب شيئاً من هذه المشاهد، أم أنها قصص ماقبل النوم حتى يدلف الأطفال إلى ساحات الأحلام السعيدة.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة