تثير آليات اختيار القيادات داخل جماعة الإخوان الإرهابية تساؤلات حول العلاقة بين الكفاءة المهنية والخبرة الإدارية من جهة، والالتزام التنظيمي والانضباط الداخلي من جهة أخرى.
وتعتمد الجماعات ذات البناء الهرمي المغلق على منظومات للترقي وتوزيع المسؤوليات تختلف عن المؤسسات العامة التي يفترض أن تقوم على معايير واضحة للمؤهلات والخبرات والإنجاز.
وفي حالة التنظيمات العقائدية، يمكن أن يؤدي تضخم أهمية الولاء إلى تراجع فرص الأعضاء الذين يمتلكون مهارات مستقلة أو رؤى نقدية، خاصة عندما ينظر إلى الاختلاف مع القيادة باعتباره تهديدا للتماسك الداخلي.
وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها قد تجعل الحفاظ على موقع القيادة أكثر أهمية من تطوير الأداء، وتدفع العناصر المؤهلة إلى الانسحاب أو تقليل مشاركتها في اتخاذ القرار.
السمع والطاعة بين الانضباط وإلغاء التفكير
يمثل مفهوم السمع والطاعة جزءا مهما من النقاش حول التربية التنظيمية لجماعة الإخوان، لا سيما في ما يتعلق بحدود الالتزام بقرارات القيادة وحق الأعضاء في الاعتراض والمراجعة.
فالانضباط الإداري موجود داخل المؤسسات المختلفة، لكنه يصبح محل إشكال عندما يتحول إلى التزام مطلق لا يسمح بمساءلة المسؤولين أو تقييم نتائج قراراتهم.
وتحتاج المؤسسات الناجحة إلى توازن بين احترام التسلسل الإداري وفتح المجال أمام النقد والتطوير، لأن غياب هذا التوازن يؤدي إلى تكرار الأخطاء وصعوبة اكتشاف المشكلات مبكرا.
كما أن تهميش أصحاب الرأي المستقل قد يؤدي إلى تشكيل دوائر قيادية متشابهة في التفكير، وهو ما يقلل تنوع البدائل المطروحة عند مواجهة الأزمات.
الانقسامات الداخلية تكشف أزمة القيادة
شهدت جماعة الإخوان خلال السنوات الماضية خلافات وانقسامات بين قيادات وتيارات مختلفة، وظهرت بصورة واضحة في الصراع على إدارة التنظيم وتمثيله.
وتكشف هذه الانقسامات عن أهمية دراسة قواعد اتخاذ القرار والمساءلة الداخلية، ومدى قدرة المؤسسات التنظيمية على إدارة الخلاف دون تحويله إلى صراع على الشرعية والنفوذ.
كما تطرح تساؤلات حول دور الأعضاء العاديين في اختيار القيادات ومحاسبتها، ومدى شفافية القرارات المتعلقة بالموارد والأولويات والتوجهات السياسية.
ولا يمكن تفسير جميع الانقسامات بعامل واحد، إلا أن ضعف آليات المشاركة والمراجعة قد يسهم في تعميق الأزمات داخل التنظيمات الهرمية.
الكفاءة شرط الإدارة الناجحة
تقوم الإدارة الحديثة على التخطيط والتقييم والمحاسبة، وإتاحة الفرصة أمام أصحاب الخبرات لتقديم الحلول دون خوف من مخالفة توجهات القيادة.
وعندما يصبح الولاء الشخصي أو التنظيمي معيارا أعلى من الكفاءة، تتراجع القدرة على التجديد وتزداد احتمالات تكرار القرارات غير الفعالة ومن هنا، فإن دراسة أزمة الإدارة داخل جماعة الإخوان ترتبط بسؤال أوسع حول قدرة التنظيمات المغلقة على إصلاح هياكلها، والانتقال من ثقافة الطاعة إلى ثقافة المسؤولية والمساءلة.
قال إسلام الكتناني، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن العلاقة بين الولاء التنظيمي والكفاءة تمثل مدخلا أساسيا لفهم الأزمات الإدارية التي تواجه جماعة الإخوان الإرهابية، مشيرا إلى أن المؤسسات المغلقة تواجه صعوبات كبيرة عندما تصبح الطاعة معيارا رئيسيا للترقي وتوزيع المسؤوليات.
وأضاف أن تقديم الولاء على الخبرة قد يؤدي إلى تهميش أصحاب الرؤى المستقلة، ويقلل قدرة التنظيم على الاستفادة من النقد الداخلي، خاصة عندما تتعامل القيادة مع الاعتراض باعتباره خروجا على الانضباط.
وأوضح أن الانقسامات التي شهدتها الجماعة تطرح تساؤلات مهمة حول آليات اختيار القيادات، ومدى وجود قواعد واضحة للمحاسبة وتداول المسؤوليات داخل الهياكل التنظيمية.
وأشار إلى أن أي مؤسسة لا تستطيع تصحيح أخطائها دون الاعتراف بحق أعضائها في المراجعة والنقد، مؤكدا أن الإدارة القائمة على الخوف من الاختلاف تواجه صعوبات في التجديد والاستجابة للمتغيرات.
وأكد أن بناء مؤسسات فعالة يتطلب معايير شفافة للكفاءة والمساءلة، بعيدا عن تحويل الولاء الشخصي أو التنظيمي إلى بديل عن الخبرة والقدرة على الإدارة.