تستعيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في الرابع من نوفمبر من كل عام، واحدة من أكثر اللحظات الروحية والتاريخية المهيبة في تاريخها الحديث، وهي ذكرى إجراء "القرعة الهيكلية" بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 2012، والتي أسفرت عن اختيار قداسة البابا تواضروس الثاني ليكون البطريرك رقم 118 في تاريخ الكنيسة، خلفاً للراحل البابا شنودة الثالث.
جذور كنسية وتأكيد على الاختيار الإلهي
وتستند الكنيسة القبطية في تطبيق هذا الطقس الكنسي إلى جذر كتابي وتاريخي عريق يرجع إلى "سفر الأعمال" في العهد الجديد، حينما لجأ التلاميذ والرسل إلى القرعة لاختيار "متياس" الرسول بدلاً من يهوذا الإسخريوطي. وتقف الكنيسة أمام هذا اليوم سنوياً لتؤكد لشعبها أن القيادة الروحية والرعاية البابوية ليست مجرد منصب بشري يُسعى إليه، بل هي تكليف واختيار إلهي تُسَلَّم فيه أزمة الأمور للسماء لتختار من يرعى الرعية.
مفهوم الخدمة والتجرد في الفكر البابوي
وترسخ الكنيسة في هذه الذكرى معاني التجرد والمسؤولية، وهو ما عبر عنه قداسة البابا تواضروس الثاني في كلماته وعظاته التأسيسية التي أكد فيها أن "الخدمة ليست سلطة، بل مسؤولية ومساحة للعطاء والتجرد". وتتحول هذه الذكرى سنوياً إلى محطة إيمانية تذكر الأقباط في مصر وبلاد المهجر بأن الاختيار الإلهي يرتبط دائماً بقلب راهب يضع الرعاية والتواضع في صدارة أولوياته الكنسية والوطنية.
ويمضي التذكير السنوي بالقرعة الهيكلية كرسالة روحية عميقة تؤكد أن التاريخ الكنسي ليس مجرد ذكريات تُروى، بل هو طاقة إيمانية تجدد عهد الإيمان، وتؤكد أن من يتولى مسؤولية الكرسي المرقسي ينال سنداً روحياً يُعينُه على حمل المسؤولية الوطنية والرعوية.