حين أتحدث عن جماعة الإخوان الإرهابية، فإنني لا أتحدث عن خصم سياسي من الخارج، بل عن تنظيمٍ عشتُ في أروقته سنوات، وعرفتُ أسراره ومناوراته من الداخل، قبل أن أنفصل عنه بعد أن تكشّفت لي حقيقة مساره. ومن هذا الموقع الخاص بي، أستطيع أن أقول بثقة ودراية إن ما تشهده الساحة المصرية اليوم ليس مجرد مواجهة إعلامية عابرة، بل هو إسقاط ممنهج لرهان قديم جدًا ربطت به الجماعة أوهامها بعد أن فقدت كل أدواتها الميدانية. هذا ما بدء به القيادى المنشق والباحث في شؤون الحركات المتطرفة إبراهيم ربيع الحديث لـ" اليوم السابع" عن جماعة الإخوان الإرهابية

إبراهيم ربيع القيادى المنشق عن الجماعة الإرهابية
الجماعة تعيش الإفلاس الميداني الكامل
وقال ربيع إن التنظيم منذ عام 2013 يعيش حالةً من الإفلاس الميداني الكامل، وأضاف أنه فقد قدرته على الحشد المباشر في الشارع، وخسر قواعده الشعبية الحقيقية، وتحوّل من حركةٍ لها حضورٌ اجتماعي إلى كيانٍ يعمل من خلف الشاشات، مرتهناً لجهات خارجية تموّله وتوجّه خطابه. وأشار إلى المفارقة الكبرى: جماعةٌ تدّعي أنها "تعبر عن الشارع" وهي في حقيقة الأمر لا تستطيع أن تنزل إليه.
وأكد القيادي المنشق أنه رصد بنفسه تحوّل استراتيجية الجماعة إلى ما يسميه "معارك الشاشات"، موضحاً أن الآلة الإعلامية المُدارة من الخارج تعتمد منهجاً واضحاً: اقتناص الواقعة المحدودة أو المجتزأة، ثم إعادة صياغتها بعناوين مُثيرة، وضخّها عبر شبكاتٍ من الحسابات الوهمية والمنصات المتناغمة، بهدف خلق انطباعٍ زائفٍ بوجود "أزمةٍ عامة" تهدد استقرار الدولة. وشدّد على أن هذا ليس تحليلاً نظرياً، بل هو ما شاهده وعايشه في غرف العمليات الإعلامية للتنظيم.
واستشهد ربيع ببيانات المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، مؤكداً أن الشائعات المرصودة خلال النصف الأول من عام 2026 ارتفعت بنسبة 113% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025. ولفت إلى أن الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات والتوترات الإقليمية استحوذت على نحو 57.3% من إجمالي الفبركات الإعلامية، مفسّراً أن هذه الأرقام تكشف منهجية التوظيف: التنظيم يلتقط الأحداث الإقليمية الجارية ويضخّمها ويُلبّسها لباساً مصرياً داخلياً، لا لشيء إلا لزيادة القلق المجتمعي وإضعاف الثقة في المؤسسات.
وعي الشارع المصري تجاوز كذب الجماعة
لكنه عاد ليؤكد بصراحة تامة أنه الاتساع الرقمي لمنشورات الجماعة لا يعني إطلاقاً استعادة نفوذها، قائلاً إن وعي الشارع المصري قد تجاوز هذه المرحلة، ومضيفاً أن الناس في مصر لم يعودوا يبنون أحكامهم على منشورٍ على فيسبوك أو تغريدة على منصة مجهولة، بل على ما يلمسونه في حياتهم اليومية: مستشفى جديد، مدرسة محدثة، طريقاً ممهّداً، مشروعاً للطاقة يضيء بيوتهم.
وأوضح ربيع أن حقيقة الصراع التي يغفل عنها كثيرون هي أن الدولة المصرية لم تواجه الفوضى الرقمية بالخطاب فقط، بل واجهتها بالشفافية والمشروعات القومية الملموسة في الصحة والتعليم والنقل والطاقة، مشيراً إلى أن هذه المشروعات هي حائط الصد الأول والأقوى، لأنها تفند الروايات المضللة من جذورها. وتساءل كيف تقنع مواطناً بأن "الدولة تنهار" وهو يرى بنفسه عجلة التنمية تدور؟
وأكد القيادي المنشق إلى أن رهان الجماعة على الفوضى الرقمية كان، في جوهره، رهاناً يائساً من تنظيمٍ يعرف أنه خسر الميدان، فحاول تعويض خسارته بالضجيج، مؤكداً أن الضجيج لا يصنع واقعاً، والحسابات الوهمية لا تصنع رأياً عاماً حقيقياً. وشدّد على أن مصر أسقطت هذا الرهان، ليس بقمع كما يروجون، بل بوعي شعبي وبإنجازٍ ملموسٍ وشفافية في التعامل مع الأزمات.