لم تكن رواية "شرق عدن" مجرد عمل أدبي مميز في مسيرة الكاتب الأمريكي جون شتاينبك، بل كانت الرواية التي اعتبرها بنفسه الأقرب إليه والأكثر اعتزازًا بها، وهو ما يمكن تتبعه في مذكرات كتبها يومًا بيوم أثناء تأليفها، قبل أن ترى النور بأكثر من عام.
رسائل يومية لم تُرسل
في يناير 1951، أعطى باسكال كوفيتشي، محرر شتاينبك في دار Viking Press، الكاتب دفترًا كبيرًا ليكتب فيه روايته الجديدة، خصص شتاينبك الصفحات اليمنى للمخطوط، بينما استخدم الصفحات اليسرى لكتابة رسالة يومية إلى محرره، بالقلم الرصاص، لم يكن يرسلها إليه ولم يكن يقصد نشرها.
واستمر في كتابة هذه الرسائل في كل يوم عمل تقريبًا، من 29 يناير حتى الأول من نوفمبر 1951، وبعد وفاته، نُشرت الرسائل في كتاب "Journal of a Novel: The East of Eden Letters"، لتقدم شهادة نادرة على أفكاره ومشاعره تجاه الرواية أثناء كتاباتها.
ومنذ اليوم الأول، كان واضحًا أن شتاينبك يضع للعمل سقفًا مرتفعًا للغاية، إذ كتب أن الكتاب سيكون "الأصعب" بين كل ما حاول كتابته، قبل أن يذهب إلى أبعد من ذلك ويصفه بأنه ربما يكون الكتاب الوحيد الذي كتبه فعلًا.
كان شتاينبك في ذلك الوقت يبلغ 48 عامًا، وقد سبق له نشر أعمال بارزة مثل "عن الفئران والرجال" و"عناقيد الغضب" و"شارع المعلبات"، كما كان قد حصل على جائزة بوليتزر قبل أكثر من عقد.
"قصة مقاطعتي وقصتي"
ارتبطت الرواية بحياة شتاينبك الشخصية بصورة مباشرة، وليس فقط من خلال المشاعر التي عبر عنها تجاهها، فقد كتب في إحدى رسائله أن العمل سيكون، عن "قصة مقاطعتي وقصتي.
المقصود بالمقاطعة هو وادي ساليناس في كاليفورنيا، المكان الذي نشأ فيه شتاينبك، والذي أصبح أحد أهم فضاءات الرواية، أما قصتي فهى الجانب العائلي والذى ظهر بوضوح من خلال عائلة هاملتون، التي استندت إلى عائلة والدته.
فشخصية صمويل هاملتون مستوحاة من جده لأمه، بينما تستند شخصية أوليف هاملتون إلى والدته، التي تركت المنزل في سن الخامسة عشرة للذهاب إلى المدرسة في ساليناس، وأصبحت لاحقًا معلمة في إحدى المدارس الريفية.
ولم يكتف شتاينبك بإدخال تاريخ عائلته إلى الرواية، بل وضع نفسه أيضًا داخل عالمها، إذ يظهر بوصفه صبيًا في بعض فصول وادي ساليناس، ويتحدث السرد بضمير المتكلم في أجزاء منها.
رواية كتبها لأبنائه
كان للرواية أيضًا هدف شخصي واضح، فقد كتب شتاينبك منذ البداية أنه اختار أن يكتبها لابنيه توم وجون، اللذين كانا في السادسة والرابعة من العمر آنذاك.
وأوضح أن أبناءه لن يعرفوا من أين أتوا من خلاله ما لم يخبرهم، لكنه لم يكن يتوقع أن يقرأوا الكتاب في طفولتهم، وإنما عندما يكبرون وتكون الحياة قد منحتهم بعض تجاربها وآلامها وأفراحها.
وبعد انتهاء المخطوط، صنع شتاينبك بنفسه صندوقًا خشبيًا وضع بداخله نحو 250 ألف كلمة هي نص الرواية، وقدمه إلى كوفيتشي، وأصبحت الكلمات التي كتبها على الصندوق أساسًا للإهداء الذي ظهر في مقدمة الرواية عند نشرها.
رواية أحبها شتاينبك.. ولم يحبها النقاد
نشرت دار Viking رواية "شرق عدن" في سبتمبر 1952، وسرعان ما حققت نجاحًا جماهيريًا وأصبحت من الكتب الأكثر مبيعًا، لكن استقبال النقاد كان أقل حماسًا.
تركز جانب من الانتقادات على البناء الكتابي المستند إلى قصة قابيل وهابيل والإشارات الكتابية الكثيفة في الرواية، ووفقًا لملخص مكتبة الكونجرس لتاريخ استقبال العمل، رأى بعض النقاد أن هذه الإشارات جاءت بصورة غير ناضجة ومتعسفة.
لكن هذه الانتقادات لم تغير موقف شتاينبك من الرواية، فقد ظل يرى "شرق عدن" العمل الأقرب إلى ما أراد أن يقوله عن نفسه وعائلته والمكان الذي نشأ فيه.
وبعد نحو عقد من نشر الرواية، حصل شتاينبك على جائزة نوبل في الأدب عام 1962، بينما استمرت "شرق عدن" في جذب القراء، لتبقى واحدة من أكثر رواياته ارتباطًا بسيرته الشخصية ونظرته إلى عائلته وموطنه.