كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن وثيقة بحثية أعدها مشاركون في برنامج «تشرشل» التابع لمعهد أرغمان الإسرائيلي، تتناول مشروعًا طويل الأمد يستهدف إعداد كوادر تتبنى رؤية محافظة وقومية في مجالي الأمن والسياسة الخارجية، وتأهيلها لتولي مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة بسبب طبيعة المشاركين في البرنامج، إذ يستهدف ضباطًا ومسؤولين وموظفين في مؤسسات الدولة، إلى جانب شخصيات سياسية وأكاديمية إسرائيلية. ويصف معهد أرغمان برنامج «تشرشل» بأنه مخصص للأشخاص الذين يسعون إلى التأثير في أجندة السياسة الخارجية والأمنية لإسرائيل، فضلًا عن العاملين في المجال العام والباحثين المتخصصين في القضايا الاستراتيجية.
«تشرشل».. إعداد كوادر للتأثير في السياسة والأمن بإسرائيل
بحسب الموقع الرسمي لمعهد أرغمان، يشكل برنامج «تشرشل» مجموعة سنوية تضم نحو 18 مشاركًا، تتراوح أعمارهم عادة بين 30 و50 عامًا، وتضم عاملين أو سابقين في المؤسسات الأمنية، وناشطين في المجال العام، وباحثين في المجالات الاستراتيجية.
ويهدف البرنامج إلى تطوير رؤية استراتيجية لإسرائيل تستند إلى القومية والصهيونية والمحافظة والواقعية السياسية، من خلال دراسة الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ الاستراتيجي والتحديات التي تواجه إسرائيل في الشرق الأوسط.
ويعقد البرنامج لقاءات أسبوعية في القدس، إلى جانب جولات ميدانية، ويناقش موضوعات تتعلق بالاستراتيجية الكبرى لإسرائيل، والفكر الواقعي، وتاريخ النظام الدولي، والشرق الأوسط، واستراتيجيات القوى الكبرى والتحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل.
وتكشف قوائم خريجي البرنامج عن شبكة تضم ضباطًا ومسؤولين في مؤسسات الدولة ومجالات الأمن والقانون والسياسة.
ومن أبرز الأسماء التي يوردها المعهد ضمن خريجي البرنامج دافيد زيني، الذي شارك في البرنامج قبل أن يتولى في عام 2025 رئاسة جهاز الشاباك، بحسب الموقع الرسمي للمعهد. كما تضم قوائم الخريجين مسؤولين ومستشارين في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الدفاع ومؤسسات أمنية أخرى.
واستضاف البرنامج شخصيات شغلت مناصب رفيعة، من بينها وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات، إلى جانب مسؤولين وأكاديميين وشخصيات من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
رؤية جديدة للأمن الإسرائيلي.. القوة بدلًا من السلام
وتتمثل النقطة الأكثر إثارة للانتباه في الوثيقة التي أعدها المشاركون في البرنامج، والتي تمتد لنحو 270 صفحة، وتحمل تصورًا لإعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب ما أوردته «هآرتس» عن الوثيقة، فإن التصور لا يعتبر السلام بالضرورة الهدف الاستراتيجي المركزي لإسرائيل، ويدفع بدلًا من ذلك نحو التركيز على القوة العسكرية والقدرة على المبادرة والضربات الاستباقية.
كما تتضمن الرؤية مقترحات لتعزيز القوات البرية، ورفع القدرة على خوض عمليات عسكرية متعددة الجبهات، وإقامة مناطق عازلة خارج الحدود، وتطوير القدرة على تحريك قوات كبيرة لمسافات بعيدة.
وتتقاطع بعض هذه الأفكار مع أطروحات يقدمها معهد أرغمان في أنشطته وأبحاثه بشأن تطوير استراتيجية إسرائيلية أكثر اعتمادًا على المبادرة والقوة العسكرية.
الضفة الغربية.. تفكيك السلطة والضم والهجرة
وتتناول الوثيقة أيضًا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث تنطلق، بحسب ما نقلته «هآرتس»، من تصور يعتبر الصراع غير قابل للحل بالوسائل السياسية التقليدية.
وتطرح الوثيقة أفكارًا تشمل تفكيك السلطة الفلسطينية، وضم الضفة الغربية، وتشجيع ما تصفه ب "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين.
وتتضمن الأرقام الواردة في التصور تهجير نحو 500 ألف فلسطيني خلال العقد الأول، و250 ألفًا خلال العقد الثاني، بما يصل إلى نحو 750 ألف فلسطيني على مدى عقدين.
كما تتحدث الرؤية عن إنشاء وزارة متخصصة بهذا الملف، إلى جانب إنشاء مطار بالقرب من معبر اللنبي على الحدود مع الأردن، وفق ما أوردته التقارير التي تناولت الوثيقة.
إعادة صياغة عقيدة الجيش الإسرائيلي
ولا تتوقف الوثيقة عند الجوانب السياسية والعسكرية، وإنما تمتد إلى البعد الأيديولوجي داخل مؤسسات الدولة والجيش الإسرائيلي.
وتطرح، بحسب ما ورد في الوثيقة، إعادة صياغة المدونة الأخلاقية للجيش الإسرائيلي بما يجعلها أكثر ارتباطًا بالرؤية القومية، مع تضمين مفاهيم تتعلق بالتعامل مع «الأعداء» واستخدام القوة.
وتشير هذه الطروحات إلى محاولة أوسع لإعادة تعريف المفاهيم التي تحكم استخدام القوة العسكرية، وربطها برؤية استراتيجية وقومية أكثر وضوحًا.
التمويل الأمريكي.. دعم لمشروع فكري محافظ في إسرائيل
ويربط التقرير المشروع بمؤسسات محافظة في الولايات المتحدة، من بينها صندوق «تيكفاه»، الذي دعم برامج فكرية واستراتيجية داخل إسرائيل.
ويظهر ارتباط الصندوق ببرنامج «تشرشل» في مواد منشورة على موقعه، إذ يصف البرنامج بأنه يركز على الاستراتيجية والدبلوماسية والأمن، ويستهدف طلاب الدراسات العليا والمهنيين الشباب في قطاع الأمن القومي الإسرائيلي.
وتشير الوثائق المرتبطة بالمشروع إلى تمويلات بملايين الدولارات للمؤسسات والبرامج ذات الصلة، بما في ذلك تمويلات سنوية والتزامات إضافية، وفق ما أوردته التقارير التي تناولت المشروع.
ويعلن برنامج «تشرشل» صراحة أنه يستهدف أشخاصًا يريدون التأثير في السياسة الخارجية والدفاعية الإسرائيلية، بينما تكشف قوائم الخريجين عن وصول عدد من المشاركين إلى مواقع داخل المؤسسات الأمنية والحكومية الإسرائيلية.
وبذلك، لا تقتصر أهمية المشروع على الأفكار التي تطرحها الوثيقة، وإنما تمتد إلى طبيعة الأشخاص الذين يستهدف البرنامج إعدادهم، والمسارات المهنية التي اتخذها عدد من خريجيه داخل المؤسسات الإسرائيلية.