لم تعد جماعة الإخوان الإرهابية ذلك التنظيم الذي يتحرك وفق مركز قيادة واحد، أو يلتف حول قرار تنظيمي قادر على إلزام أعضائه وفروعه في الداخل والخارج، بعدما عصفت بها سنوات من الصراعات والانشقاقات لتتحول تدريجيًا من كيان هرمي شديد المركزية إلى شظايا متنافسة، لكل منها قيادة وهياكل وحسابات ومصالح ومنابر إعلامية، فيما تخوض جميعها معركة واحدة عنوانها: من يملك حق تمثيل الجماعة؟.
القصة لم تبدأ بتعدد «الدكاكين»، وإنما بدأت عندما أصاب التفكك مركز القرار نفسه، ومع خروج القيادات الأساسية من مصر بعد 2013، انتقل جزء كبير من النشاط التنظيمي إلى الخارج، وبدأت مراكز النفوذ تتوزع بين عواصم مختلفة، لتظهر تدريجيًا أزمة قيادة لم يعد بالإمكان احتواؤها بالآليات التقليدية التي طالما حافظت على تماسك التنظيم.
ومع اعتقال محمود عزت، اتسعت مساحة الصراع داخل القيادة، ثم انفجرت المواجهة بصورة أكثر وضوحًا بين إبراهيم منير ومحمود حسين، لم يكن الخلاف مجرد اختلاف في تقدير الموقف أو في طريقة إدارة مرحلة مؤقتة، وإنما تحول إلى صراع على السلطة التنظيمية نفسها، وعلى من يمتلك حق إصدار القرارات وتعيين القيادات والسيطرة على المؤسسات والمنابر التابعة للجماعة.
هنا بدأت القاعدة القديمة في الانهيار: قيادة واحدة تقرر.. وبقية التنظيم يلتزم
ففي لندن تشكلت جبهة لها هياكلها ورؤيتها وقياداتها، كما تمسكت جبهة أخرى لمحمود حسين بموقعها داخل البناء التنظيمي القديم، ثم ظهر «تيار التغيير» ككتلة ثالثة ترفع شعار إعادة تشكيل القيادة وفتح الطريق أمام جيل جديد، وبذلك لم يعد الانقسام ثنائيًا بين جبهتين فقط، وإنما تحول إلى خريطة أكثر تعقيدًا من مراكز القوى المتنافسة.
حين أصبح منصب المرشد نفسه جزءًا من الأزمة
المفارقة الأبرز أن المنصب الذي كان يفترض أن يحسم الخلاف أصبح واحدًا من أسباب الصراع، فبعد وفاة إبراهيم منير في نوفمبر 2022، لم تنجح الجماعة في إعادة إنتاج مركز قيادة يحظى بقبول جميع الأطراف، حيث أعلنت جبهة لندن صلاح عبد الحق، بينما تمسكت جبهة محمود حسين، وأصبح لكل طرف منطقه التنظيمي الذي يستند إليه في إثبات أحقيته بالقيادة.
وبذلك فقد «المرشد» وظيفته التاريخية باعتباره نقطة التقاء التنظيم، وتحول المنصب نفسه إلى عنوان للخلاف؛ فكل جبهة تملك قيادة تعتبرها شرعية داخل دوائرها، بينما لا تملك أي منها أدوات كافية لإجبار الجبهات الأخرى على الاعتراف بها، وهنا انتقل الإخوان من أزمة «من يخلف القيادة؟» إلى أزمة أكثر عمقًا: هل ما زال هناك تنظيم واحد أصلًا حتى تكون له قيادة واحدة؟
المال.. الوجه الآخر لمعركة الشرعية
ومع سقوط مركز القرار، لم يعد الصراع يدور حول المناصب التنظيمية وحدها، بل امتد إلى شبكات الموارد والأصول والأنشطة الخارجية، فالجماعة التي بنت على مدار عقود شبكة واسعة من المؤسسات والواجهات والأنشطة في عدد من الدول، أصبحت أمام صراع على من يسيطر على هذه الشبكات، ومن يمتلك القدرة على إدارة الموارد، ومن يملك المنابر التي يمكن من خلالها مخاطبة القواعد والجمهور الخارجي.
ولهذا ارتبطت معركة القيادة بمعركة أخرى أكثر حساسية: المال والنفوذ، فمن يسيطر على الموارد يمتلك قدرة أكبر على الحفاظ على كوادره، وتمويل أنشطته، وإدارة منصاته، واستقطاب العناصر الجديدة، ولذلك تحولت الموارد من مجرد أداة لتسيير النشاط إلى ورقة قوة في الصراع بين الأجنحة.
وفي أوروبا، اتخذت الخلافات حول إدارة الشبكات الخارجية والموارد المالية شكلًا أكثر وضوحًا، مع تداخل التنظيم الدولي مع كيانات وشبكات أخرى تعمل باسم الإخوان أو في دوائر مرتبطة بها، بما أضاف طبقة جديدة إلى صراع النفوذ.
المنابر الإعلامية.. كل جبهة تصنع صوتها الخاص
ولأن السيطرة على الخطاب لا تقل أهمية عن السيطرة على المال، انتقل الصراع إلى الإعلام، المنابر التي كانت تستخدم سابقًا لتقديم صورة موحدة للجماعة أصبحت جزءًا من معركة الأجنحة. كل طرف يسعى إلى امتلاك منصة يتحدث من خلالها، ويقدم روايته، ويهاجم خصومه، ويحافظ على ارتباطه بالقواعد.
وبمرور الوقت أصبح المشهد الإعلامي انعكاسًا مباشرًا للخلاف التنظيمي: منصة تساند جبهة، وأخرى تفتح المجال لجبهة مختلفة، وصفحات وحسابات تتحول إلى ساحات لتبادل الاتهامات، فيما تختفي تدريجيًا فكرة الخطاب الإخواني الواحد الذي يعبر عن قرار تنظيمي مركزي.
وهكذا لم يعد الصراع يدور داخل الغرف المغلقة، بل أصبح مكشوفًا أمام الجمهور، وتحولت أدوات التواصل التي كان يفترض أن تحافظ على تماسك التنظيم إلى إحدى ساحات تفكيكه.
من جبهات الإخوان بالخارج إلى «ثلاثة إخوان»
الأزمة الأكثر دلالة أن الخلاف لم يتوقف عند جبهات الجماعات الإرهابية بالخارج، ظهر تيار ثالث تحت مسمى «تيار التغيير»، وقدم نفسه كمسار مختلف عن الطرفين التقليديين، مستندًا إلى فكرة إعادة تشكيل القيادة وتجديد الهياكل وفتح مساحة أكبر للعناصر الشابة.
وهكذا أصبح داخل التنظيم ثلاث كتل رئيسية تتنافس على النفوذ والشرعية: جبهة لندن، وجبهة محمود حسين، وتيار التغيير، مع اختلافات في الرؤية والأدوات وطريقة التعامل مع القيادة التاريخية ومستقبل الجماعة.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يعني أن الأزمة لم تعد مجرد «خناقة قيادات» يمكن إنهاؤها باتفاق بين شخصين أو ثلاثة، وإنما أصبحت بنية انقسام كاملة، لكل طرف داخلها حساباته وشبكاته ومصالحه.
التنظيم الذي كان يفرض الطاعة.. أصبح عاجزًا عن فرض الوحدة
أحد أخطر مظاهر التحول أن أدوات الانضباط التقليدية لم تعد قادرة على إنتاج النتيجة نفسها، فالجماعة التي قامت على مركزية القرار والسمع والطاعة أصبحت أمام قيادات متوازية، كل منها يستند إلى جزء من المؤسسات أو القواعد أو الشبكات، ويرى نفسه صاحب الحق في تمثيل التنظيم.
ومع مرور الوقت، يصبح كل انقسام واقعًا جديدًا، وكل جبهة تبني مؤسساتها، وكل مؤسسة تنتج قياداتها، وكل قيادة تنشئ شبكاتها، ثم يصبح تفكيك هذه البنية أصعب من مجرد إعلان المصالحة.
ولهذا فإن محاولات توحيد الصف لم تعد تصطدم فقط بخلاف شخصي بين قيادات، وإنما بمصالح وهياكل نشأت بالفعل على جانبي الصراع، فالقيادة التي بنت شبكة نفوذ خاصة بها لن تتخلى عنها بسهولة، والجبهة التي امتلكت منصاتها ومصادرها وقواعدها أصبحت كيانًا له وجود مستقل داخل المشهد الإخواني نفسه.
اسم الجماعة.. آخر ما تبقى من معركة التماسك
رغم هذا التفكك، لا تزال جميع الأطراف متمسكة باسم جماعة الإخوان، والسبب أن الاسم نفسه يمثل إرثًا تنظيميًا وسياسيًا يمتد لعقود، ويمنح من يرفعه قدرة على تقديم نفسه باعتباره امتدادًا للتنظيم التاريخي، وليس مجرد فصيل جديد خرج منه، لذلك أصبحت المعركة على الاسم جزءًا من المعركة على الشرعية.
كل طرف يريد أن يقول إنه «الإخوان»، بينما يصبح الآخر في روايته مجرد منشَق أو مجموعة خارجة على التنظيم.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الجماعة تتشظى تنظيميًا، لكنها تتصارع على الاحتفاظ بالاسم ذاته.
فكل جناح يريد الاستحواذ على الميراث التنظيمي، وعلى حق التحدث باسم القواعد، وعلى شبكات الخارج، وعلى المؤسسات والمنابر، وعلى التاريخ الذي صنع للجماعة حضورها.
من «التنظيم الدولي» إلى جزر منفصلة
المحصلة النهائية لهذا المسار أن فكرة التنظيم الدولي بصورتها التقليدية تواجه أزمة حقيقية، فبدل مركز قيادة قادر على تنسيق المواقف، ظهرت مراكز قرار متعددة. وبدل خطاب واحد، ظهرت خطابات متباينة، وبدل هيكل تنظيمي قادر على حسم الخلاف، أصبحت كل جبهة قادرة على إنتاج مؤسساتها وقياداتها ومنابرها.
وحتى المواقف من القضايا الإقليمية لم تعد بالضرورة موحدة بين مختلف الفروع والجبهات، وهو ما يكشف اتساع المسافة بين المركز التاريخي والفروع والكيانات الموجودة في الخارج.
وهكذا تحولت الجماعة تدريجيًا من هرم تنظيمي إلى شبكة من الجزر المتنافسة؛ كل جزيرة تبحث عن مواردها، وتبني خطابها، وتحافظ على قياداتها، وتخوض معركتها الخاصة، ثم تعود جميعها لتستخدم الاسم نفسه في محاولة لإثبات أنها الوريث الحقيقي للتنظيم.
لم يعد المشهد إذن مجرد انقسام بين قيادات إخوانية، وإنما عملية تفكك تنظيمي طويلة أنتجت شظايا تتنافس على بقايا كيان واحد.
ومن تنظيم كان يراهن على وحدة الصف والانضباط الصارم، أصبحت الجماعة أمام واقع مختلف: جبهات متوازية، قيادات متنافسة، موارد متنازع عليها، منابر متصارعة، وشرعيات متعددة، فيما تحول الصراع من مواجهة الخصوم في الخارج إلى معركة مفتوحة داخل البيت نفسه حول سؤال واحد: من يملك الإخوان؟.