يعمل مصنع الأزمات في خطاب الإخوان الإرهابية بالخارج بمعلومة غير دقيقة أو رواية بلا سند، ثم تتلقفها الصفحات والحسابات، وتدخل في دائرة إعادة النشر والتضخيم، قبل أن تنتقل من مواقع التواصل إلى منصات سياسية تتعامل معها باعتبارها حقيقة وتبني عليها خطابا كاملا عن الأوضاع في مصر.
وبمجرد أن تستقر الرواية في أذهان المتابعين، تبدأ المرحلة التالية وهي تحويلها إلى أزمة دولة، ثم تقديم المتحدث من الخارج باعتباره صاحب الرؤية والحل، وكأن الخطة السياسية جاءت لإنقاذ واقع ثابت، بينما أصل الحكاية كان شائعة من صنع يديهم.
المؤشر الرسمي على اتساع ظاهرة الشائعات يكشف حجم البيئة التي تتحرك فيها هذه الحملات فالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء أعلن أن معدلات الشائعات ارتفعت 113% خلال النصف الأول من 2026، في ظل التوترات الإقليمية، كما ارتفعت نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية من 21.1% في النصف الأول من 2025 إلى 57.3% خلال النصف الأول من 2026.
من شائعة إلى حقيقة.. خط إنتاج لا يتوقف
الأرقام الرسمية لا تتحدث عن مجرد انتشار أخبار غير دقيقة، وإنما تكشف اتساع مساحة الشائعات وتنوع الملفات التي تتحرك فيها وخلال النصف الأول من 2026، تصدر الاقتصاد قائمة القطاعات الأكثر استهدافا بالشائعات بنسبة 14.4%، تلاه قطاع الطاقة بنسبة 13.3% ثم التموين بنسبة 11.6%، وهي ملفات تمس الحياة اليومية للمواطن بصورة مباشرة، ما يجعل أي معلومة غير دقيقة بشأنها قابلة للانتشار السريع والتأثير في الرأي العام.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في عمل "مصنع الأزمات" وهي اختيار الملف نفسه فالشائعة لا تحتاج إلى قضية هامشية حتى تنتشر بل يكفي أن تمس سعرا أو سلعة أو كهرباء أو وقودا أو استثمارا، ثم يعاد تقديمها في صياغة أكثر إثارة حتى ينتقل المتابع من سؤال "هل حدث ذلك؟" إلى سؤال آخر أخطر وهو "إلى أي مدى انهارت الأوضاع؟".
الاقتصاد والطاقة والتموين.. ملفات جاهزة للاشتعال
رصد المركز الإعلامي لمجلس الوزراء خلال النصف الأول من العام شائعات متعددة ارتبطت بالأزمات، بينها مزاعم عن اتجاه الحكومة لبيع الأصول لسداد الديون الخارجية، وأخرى عن وجود أزمة طاقة في مصر بسبب التطورات الإقليمية، فضلا عن شائعات بشأن تخفيف الأحمال الكهربائية لمدة أربع ساعات يوميا، وقطع خدمات الإنترنت ليلا لتخفيف أحمال الكهرباء.
كما شملت الشائعات مزاعم عن وصول خسائر السياحة في مصر إلى 600 مليون دولار يوميا بسبب الأزمة العالمية، وأخرى عن نقص السلع الأساسية في الأسواق نتيجة التوترات الإقليمية، إلى جانب ادعاء بحدوث تسرب إشعاعي ترتب عليه إصدار إجازة استثنائية للمدارس والجامعات.
هذه النماذج تكشف طبيعة الملفات التي يمكن أن تتحول بسرعة من معلومة متداولة إلى أزمة في الوعي العام، خصوصا عندما يكون المواطن متابعا بالفعل لتداعيات اقتصادية أو إقليمية حقيقية وهنا تحديدا يصبح التضليل أكثر خطورة؛ لأنه لا يبدأ من فراغ كامل، وإنما يضع رواية غير صحيحة فوق حدث حقيقي، ثم يخلط بين الاثنين حتى يصعب على المتلقي الفصل بين الواقع والشائعة.
الأزمة الحقيقية تتحول إلى وقود للشائعة
وجود ضغوط اقتصادية أو تداعيات إقليمية لا يعني أن كل ما ينشر عنها شائعة، كما أن وجود أزمة حقيقية لا يمنح أي رواية متداولة حصانة من التحقق لكن الخطاب الذي يبدأ من الخارج يمكن أن يستفيد من هذه المساحة الرمادية يأخذ ملفا حقيقيا، يضيف إليه معلومة غير دقيقة، ثم يعيد صياغته باعتباره دليلا على أزمة أكبر.
وهنا تنتقل القصة من "هناك مشكلة تحتاج إلى معالجة" إلى "الدولة عاجزة"، ومن "هناك ضغط على قطاع معين" إلى "المنظومة كلها تنهار"، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي "لدينا الحل" وبهذه الطريقة تصبح الشائعة مجرد الحلقة الأولى في سلسلة أطول.
الترند يتحول إلى برنامج سياسي
المشكلة لا تنتهي عند انتشار الشائعة فالمرحلة الأكثر أهمية تبدأ عندما تعود الرواية نفسها في خطاب سياسي، بعدما تكون قد حصلت على جرعات متتالية من إعادة النشر والتعليق والتفسير ففي البداية يظهر منشور أو فيديو ثم تتعدد الصفحات التي تتحدث عنه وبعدها يتحول إلى ملف ثم يستخدمه متحدث سياسي باعتباره شاهدا على أزمة عامة وأخيرا يدخل ضمن حديث أوسع عن الاقتصاد أو الصناعة أو الاستثمار أو إدارة الدولة.
شائعة.. تضخيم.. أزمة.. خطة
هنا يمكن تلخيص دورة مصنع الأزمات في أربع مراحل واضحة تتمثل في شائعة تبدأ من منصات وحسابات سياسية، ثم تضخيم عبر إعادة النشر، ثم تحويلها إلى أزمة عامة، ثم تقديم خطة سياسية على أساس الأزمة.
والخطر في هذه الدورة أن كل مرحلة تمنح المرحلة التالية شرعية زائفة فالمنشور يصبح مصدرا للفيديو، والفيديو يصبح مصدرا للحديث السياسي، والحديث السياسي يعود إلى المنصات باعتباره دليلا، فتبدو الرواية وكأنها مدعومة بعدد كبير من المصادر، بينما قد يكون الجميع في الأصل يعيدون تدوير المادة نفسها وهنا لا تكون كثرة التكرار دليلا على صحة المعلومة.
من صناعة الرواية إلى محاولة صناعة البديل
الهدف النهائي في هذا المسار ليس بالضرورة إقناع المتلقي بكل تفصيلة، وإنما بناء صورة ذهنية متراكمة: أزمات متتالية، مشكلات متصاعدة، دولة عاجزة، ثم طرف في الخارج يقول إنه يمتلك الرؤية البديلة.