قال الدكتور عمار قناة، أستاذ العلوم السياسية من العاصمة الروسية موسكو، إن لقاء وزيري الخارجية الروسي والألماني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء، بحسب تقديره، بناءً على رغبة ألمانية، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي من اللقاء يرتبط بالوضع الداخلي في ألمانيا.
اللقاء الروسي الألماني لم يحقق تغييرًا في المواقف
وأوضح عمار قناة، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أشار إلى أن الوزير الألماني لم يأتِ بجديد خلال اللقاء، وإنما قرأ من ورقة مكتوبة تتعلق بالموقف الأوكراني، الذي لم يتغير، مؤكدًا أن الموقف الألماني تجاه الأزمة لا يزال كما هو.
وأضاف أن هناك دعوات وأزمة داخلية في ألمانيا على المستويين الاقتصادي والسياسي، إلى جانب مطالب بالحديث مع روسيا وعدم التوجه نحو التصعيد العسكري، معتبرًا أن هذه العوامل تقف وراء اللقاء.
وأشار إلى أن اللقاء لم يشكل فارقًا في العلاقات الروسية الألمانية أو في الأزمة الأوكرانية، واصفًا إياه بأنه ملف إعلامي تحاول إدارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إدارته في ظل الوضع المرتبك داخل ألمانيا، مع وجود قلق لدى الحزب الحاكم من تغير الموازين واتجاهها نحو اليمين واليمين المتطرف جزئيًا.
أوروبا تضررت من تداعيات الأزمة الأوكرانية
وقال عمار قناة إن المنطق والواقع السياسي كانا يفرضان على الدول الأوروبية الدفع نحو السلام ووقف الحرب، خاصة في ظل التداعيات الاقتصادية التي تعرضت لها أوروبا.
وأوضح أن روسيا وألمانيا وصلتا في مرحلة سابقة إلى حالة من التكامل الاقتصادي في مجال الطاقة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة كانت تعارض هذا التكامل، وأن العقوبات الاقتصادية سبقت اندلاع الصراع واستهدفت الشركات التي كانت تعمل في هذا المجال.
وأشار إلى أن خطي نورد ستريم اللذين كانا ينقلان الغاز الروسي إلى الأراضي الأوروبية عبر ألمانيا لم يتم تفجيرهما من جانب ألمانيا أو روسيا، معتبرًا أن هناك جهات كانت وراء هذه العمليات، وهو ما أحدث فارقًا اقتصاديًا داخل أوروبا.
وأضاف أن أوروبا تورطت، بحسب رؤيته، في الأزمة، وأن الولايات المتحدة خلال عهد جو بايدن دفعتها إلى هذا المسار، بينما اتجهت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب جزئيًا إلى القيام بدور الوسيط.
أوروبا تواجه صعوبة في الخروج من الأزمة
وأكد عمار قناة أن أوروبا لا تمتلك، بحسب تقديره، الآليات المناسبة للحفاظ على توازنها الإقليمي والخروج من الأزمة دون تقديم تنازلات كبيرة، معتبرًا أن تراكم الأخطاء الاستراتيجية يدفعها اليوم إلى ما وصفه بحالة من التهور.
وأشار إلى أن الحديث عن تخزين الغذاء وفتح المستشفيات والاستعدادات الأخرى للداخل الأوروبي يمثل، بحسب رؤيته، ملفات إعلامية موجهة للداخل لتبرير الإخفاقات السياسية المتعلقة بأوكرانيا.
وقال إن أوروبا لا تريد، بحسب تقديره، التوصل إلى حل سياسي في الوقت الحالي، لأنه لا يتناسب مع مصالح النخب السياسية في المنطقة الأوروبية، مضيفًا أن الدول الأوروبية أصبحت أمام ورطة ولا تستطيع الإقدام على بعض الآليات بسبب عدم وجود إجابات أمام الناخب الأوروبي.
وأوضح أن الناخب الأوروبي بدأ، وفق رؤيته، معاقبة السلطات والنخب السياسية من خلال صناديق الاقتراع.
عمار قناة: أوروبا تريد إضعاف روسيا وليس دعم أوكرانيا
وفيما يتعلق بالمخاوف الأوروبية من توسع روسيا، قال عمار قناة إنه يتفق مع فكرة وجود هذه المخاوف، لكنه يرى أن النهج الأوروبي الحالي لا يستهدف دعم أوكرانيا بقدر ما يستهدف إضعاف روسيا وإيقافها وإيقاف أدائها في المنظومة الدولية.
وأضاف أن هناك تناقضًا في الخطاب الأوروبي، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن إنهاك روسيا اقتصاديًا وعسكريًا وتقدم أوكرانيا، يجري الحديث في الوقت نفسه عن رغبة روسيا في احتلال أوروبا وتدميرها عسكريًا.
وأشار إلى أن المجتمعات الأوروبية تعيش، بحسب رؤيته، مرحلة من التغيرات السياسية والمجتمعية، موضحًا أن هناك خارطة مجتمعية وسياسية جديدة قادمة في أوروبا، مع وجود تحليلات تتحدث عن تغير الوضع، بينما تظل مسألة امتلاك آليات للتكيف مع هذه التغيرات صعبة.
وأضاف أن روسيا أصبحت، بحسب تعبيره، شماعة تُحمّل عليها مسؤولية ما يحدث من أزمات في العالم وفي المنطقة الأوروبية.
تراجع العلاقات بين بروكسل وواشنطن
ولفت عمار قناة إلى أن تراجع مستويات العلاقات بين بروكسل وواشنطن ينعكس على الوضع الأوروبي المرتبك اقتصاديًا وسياسيًا ومجتمعيًا، معتبرًا أن أوروبا تمر بمرحلة وجودية فيما يتعلق بالخيارات المقبلة.
وأشار إلى أن اتجاه قطاعات من الشعوب الأوروبية نحو اليمين السياسي، بحسب رؤيته، لن يصب في مصلحة المجتمعات الأوروبية خلال المراحل المقبلة.
وفي ختام حديثه، قال عمار قناة إن الوضع في أوروبا اليوم يعيد إلى الأذهان تاريخ ثلاثينيات القرن العشرين، مشيرًا إلى صعود أدولف هتلر وحزبه والآليات التي صعد من خلالها.
وأضاف أن دعم أوروبا الديمقراطية الحديثة للنازيين الجدد في أوكرانيا، بحسب تعبيره، يمثل تعبيرًا عن خلل في الأداء وآلية التفكير التي تنطلق منها أوروبا حاليًا.