يحيى حامد.. من وزير استثمار الإخوان إلى مهاجمة الاقتصاد المصري من الخارج.. الأرقام ترد على رواية «الانهيار» وتكشف حقيقة ما تقوله المؤسسات الدولية عن الاقتصاد المصري

الأحد، 27 سبتمبر 2026 04:00 م
يحيى حامد.. من وزير استثمار الإخوان إلى مهاجمة الاقتصاد المصري من الخارج.. الأرقام ترد على رواية «الانهيار» وتكشف حقيقة ما تقوله المؤسسات الدولية عن الاقتصاد المصري يحيى حامد

عزوز الديب

 

لم يكن يحيى حامد اسمًا عابرًا في تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في الحكم، فقد شغل منصب وزير الاستثمار في حكومة هشام قنديل خلال عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، بعدما ارتبط بحملة مرسي الانتخابية، وكان عضوًا في لجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، وبعد سقوط حكم الإخوان، خرج حامد من مصر، وواصل نشاطه السياسي والإعلامي من الخارج، ليظهر لاحقًا في منصات دولية متناولًا الشأن المصري، وفي مقدمه الملف الاقتصادي.

لكن اللافت في ظهوره الأخير هو انتقال المعركة إلى الاقتصاد، إذ قدم حامد في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» قراءة شديدة السلبية للمشهد الاقتصادي المصري، وصلت إلى القول إن الاقتصاد لا يزدهر وإنما يواجه الانهيار، في وقت تقدم فيه المؤسسات الاقتصادية الدولية أرقامًا مختلفة في عدد من المؤشرات الرئيسية.

وهنا لا يتعلق الأمر بتباين في وجهات النظر السياسية فقط، وإنما بسؤال يمكن حسم جانب كبير منه بالأرقام: هل تعكس المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المؤسسات الدولية اقتصادًا يسير نحو الانهيار، أم اقتصادًا يمر بمرحلة تعاف مصحوبة بمخاطر وضغوط حقيقية؟

من «الانهيار» إلى نمو يتجاوز 5%.. ماذا تقول أرقام الناتج المحلي؟

أولى الحقائق التي تصطدم مع رواية الانهيار تتعلق بمعدل النمو، صندوق النقد الدولي أعلن في يوليو 2026 أن الاقتصاد المصري واصل التعافي، وسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا قدره 5% خلال الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما بلغ النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 5.2%، مع تقدير نمو السنة المالية بأكملها عند نحو 4.6%.

ولم يكن ذلك تقييمًا منفردًا لصندوق النقد، إذ أعلن البنك المركزي المصري في سبتمبر 2026 أن متوسط نمو الناتج المحلي الحقيقي بلغ 5.1% خلال السنة المالية 2025/2026.

كما أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد المصري سجل نموًا حقيقيًا بلغ 5.3% خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، مقابل 3.9% خلال الفترة نفسها من السنة المالية السابقة.

الأرقام الثلاثة، رغم اختلاف توقيت القياس وطريقة العرض، تشير إلى حقيقة واحدة: الاقتصاد المصري انتقل من مرحلة تباطؤ حاد إلى معدلات نمو أعلى بصورة واضحة.

وهذا لا يعني أن النمو حل جميع المشكلات، لكنه يجعل توصيف المرحلة باعتبارها مجرد «انهيار اقتصادي» توصيفًا لا يعكس وحده ما تقوله مؤشرات الناتج المحلي.

التضخم.. أزمة حقيقية تراجعت حدتها ولم تختفِ

أما ملف الأسعار، فهو أكثر الملفات التي يمكن أن يستند إليها الخطاب المنتقد للاقتصاد المصري، لأن ارتفاع تكاليف المعيشة لا يمكن إنكاره، لكن حتى هنا، تظهر الصورة الكاملة أكثر تعقيدًا.

البنك الدولي رصد انخفاض معدل التضخم من ذروة بلغت نحو 38% في أواخر عام 2023 إلى 13.4% في فبراير 2026.

وبحسب أحدث بيانات البنك المركزي، بلغ التضخم العام 14.5% في أغسطس 2026، بينما وصل التضخم الأساسي إلى 14.9%.

إذن،  التضخم لا يزال مرتفعًا، ولا تزال الأسعار تمثل ضغطًا على الأسر، لكن الاتجاه مقارنة بذروة الأزمة مختلف تمامًا عن القول إن الاقتصاد يسير بلا توقف نحو انفجار تضخمي.

وصندوق النقد نفسه أشار إلى أن التضخم ظل أحد مصادر المخاطر، متوقعًا ضغوطًا إضافية مرتبطة بأسعار الطاقة وسعر الصرف، وهو ما يعني أن المؤسسة الدولية لا تقدم صورة وردية، وإنما تقر في الوقت نفسه بتراجع التضخم وبقاء المخاطر.

الاحتياطي الأجنبي.. ماذا حدث منذ أزمة نقص العملة؟

في واحدة من أكثر مراحل الاقتصاد المصري صعوبة، كان نقص العملة الأجنبية أحد أبرز مصادر الضغط على النشاط الاقتصادي والاستثمار والاستيراد، لكن البيانات الأحدث تظهر تغيرًا واضحًا في موقف الاحتياطيات.

صندوق النقد أشار إلى أن الاحتياطيات الدولية ظلت قوية، ووصلت إلى ما يعادل نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات الخاص بالصندوق بنهاية يونيو 2026.

كما سجل البنك الدولي وصول الاحتياطيات الرسمية والأصول الأجنبية الأخرى إلى 67.5 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، مقارنة بـ59.7 مليار دولار قبل عام.

وهنا يجب التفريق بين تعريفات المؤشرات المختلفة، لكن الاتجاه العام لا يحتاج إلى تأويل: موقف السيولة الخارجية والاحتياطيات تحسن مقارنة بفترة أزمة نقص العملة الأجنبية.

انخفاض الدين الحكومي

إذا كانت الأرقام السابقة تضع علامات استفهام أمام توصيف الاقتصاد كله بأنه في حالة انهيار، فإن ملف الدين يفرض في المقابل الاعتراف بأن هناك تحديات ثقيلة لم تنتهِ.

البنك الدولي أشار إلى انخفاض الدين الحكومي المركزي إلى 82.5% من الناتج المحلي في نهاية السنة المالية 2025، مقابل 90.1% في نهاية السنة المالية السابقة، كما سجلت المالية العامة فائضًا أوليًا بلغ 3.5% من الناتج المحلي.

لكن في المقابل، بلغت مدفوعات الفوائد نحو 10.6% من الناتج المحلي، وهو رقم يكشف حجم الضغط الذي تمثله خدمة الدين على الموازنة.

وهنا تحديدًا تسقط فكرة «الصورة الوردية» كما تسقط في الوقت نفسه فكرة «الانهيار الشامل»: هناك تحسن في نسبة الدين إلى الناتج، لكن تكلفة خدمة الدين واحتياجات التمويل تظل تحديًا جوهريًا.

صندوق النقد يحسم جزءًا من الجدل.. الاقتصاد المصري «صامد» أمام الصدمات

الأكثر دلالة أن أحدث تقييم لصندوق النقد الدولي في سبتمبر 2026 حمل عنوانًا واضحًا حول قدرة الاقتصاد المصري على الصمود تحت الضغط، وذكر أن مصر دخلت الصدمة الإقليمية الأخيرة وهي في وضع اقتصادي كلي أقوى من فترات سابقة، مدعومة بالنمو، وتراجع التضخم، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسن مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

الصندوق أشار كذلك إلى أن الاقتصاد تمكن من استيعاب تداعيات الصدمات الإقليمية بصورة أفضل مما كان متوقعًا، لكنه في الوقت نفسه شدد على ضرورة مواصلة الإصلاحات، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص، وتسريع برنامج التخارج من الأصول الحكومية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الخطاب الاقتصادي: المؤسسة الدولية التي تراقب الاقتصاد المصري وتقدم له التمويل والدعم الفني لا تقول إن المشكلات انتهت، لكنها أيضًا لا ترسم صورة اقتصاد ينهار.

«الاقتصاد ينهار».. ماذا تقول التوقعات للمستقبل؟

حتى التوقعات المستقبلية لا تدعم فكرة أن الاقتصاد دخل مسارًا انكماشيًا، صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد المصري بنحو 4.4% خلال السنة المالية 2026/2027، مع استمرار مخاطر مرتبطة بالبيئة الإقليمية وارتفاع تكاليف المدخلات وضعف الاستثمار.

كما يتوقع الصندوق استمرار الضغوط التضخمية على المدى القريب، قبل أن يبدأ التضخم في التراجع تدريجيًا مع تحسن الظروف، أي أن المؤسسة الدولية لا تتحدث عن اقتصاد بلا أزمات، وإنما عن اقتصاد ينمو في الوقت الذي يحاول فيه معالجة اختلالات متراكمة.

بين رواية «الانهيار» وحقيقة الأرقام

يحيى حامد، الذي انتقل من موقع وزير الاستثمار في حكومة الإخوان إلى شخصية سياسية وإعلامية تنشط من خارج مصر لمهاجمة الدولة المصرية، يطرح عبر كتاباته ومداخلاته رواية شديدة الانتقاد للمسار الاقتصادي المصري، لكن عندما توضع هذه الرواية أمام الأرقام، تظهر صورة أكثر تعقيدًا: النمو تجاوز 5% في السنة المالية الأخيرة، والتضخم انخفض بصورة كبيرة عن ذروته، والاحتياطيات الخارجية أعيد بناؤها، ونسبة الدين إلى الناتج تراجعت، والاقتصاد تمكن من امتصاص صدمات إقليمية متتالية، لذلك  تضع الأرقام حدودًا واضحة أمام الرواية التي تختزل المشهد كله في «الانهيار».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة