في السنوات الأخيرة، شهدت العواصم الأوروبية تحولاً جذرياً في تعاملها مع قيادات تنظيم الإخوان الإرهابي، إذ انتقلت من مرحلة الاحتواء والدبلوماسية الهادئة إلى مرحلة التضييق المنهجي والحصار القانوني والأمني. ويجسد هذا التحول فكرة أن هذه العواصم بدأت تتعامل مع قيادات التنظيم "كمناديل ورقية منتهية الصلاحية" أي كأدوات استُخدمت لتحقيق أغراض سياسية معينة ثم أصبحت عبئ يجب التخلص منه بعد أن فقدت جدواها. ويأتي هذا التحول بعدما أدركت هذه الدول أن الجماعة لم تعد تمتلك الحضور الشعبي الذي كانت تدعيه، وأنها تحولت إلى عبء على علاقاتها بالدول المستهدفة بأنشطة التنظيم.
الدلالات القانونية: من الاحتواء إلى الحظر
وتشهد الساحة الأوروبية تحولاً واضحاً في التعامل مع الجماعة، حيث انتقلت العواصم الكبرى من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة التضييق القانوني والأمني الشامل، هذا ما أوضحه الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة طارق البشبيشي،حيث أكد أنه، في فرنسا، صوت البرلمان في يناير الماضي لصالح مقترح أوروبي يدعم إدراج تنظيم الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي، في إجراء حظي بدعم معظم الأحزاب الفرنسية . كما شكل قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع الجماعة في مدينة نانت خطوة بالغة الأهمية، حيث رفضت المحكمة الإدارية طعن المؤتمر وأيدت قرار وزارة الداخلية بالحظر، مضيفا وفي النمسا، تقود تحركات قوية لإدراج الإخوان رسمياً على قوائم الإرهاب الأوروبية نظراً لخطورة التنظيم ليس على النمسا فقط وإنما كافة دول الاتحاد الأوروبي . وكان للبرلمان الأوروبي موقف قوي ضد الجماعة، حيث دعا المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي لإجراء تقييم قانوني وواقعي للشبكة العابرة للحدود لجماعة الإخوان وتداعياتها في أوروبا .
ألمانيا: تحذر من اختراق الأحزاب
كما أكد" الباحث " أن ألمانيا صعّدت لهجتها الرسمية تجاه الجماعة، حيث حذّر مدير جهاز حماية الدستور الألماني في جلسة خاصة عقدت في مبنى البرلمان الألماني من أن الجماعات الارهابية يسعون عمداً إلى التأثير في الأحزاب السياسية الألمانية بهدف إعادة تشكيل المجتمع والدولة تدريجياً . وتكمن خطورة التنظيم في ألمانيا، حيث يقدر عدد أعضائه النشطين بـ 1,400 عضو، في أنه يشكل التحدي الأكبر على المدى البعيد، بشكل قد يفوق خطر التنظيمات الجهادية العنيفة .
الدلالات الاقتصادية واستراتيجية التحول إلى الأصول الثابتة
كشف الباحث في شؤون الحركات المتطرفة أن الجماعة لجأت إلى استراتيجية جديدة تقوم على استبدال الأصول السائلة (النقد) بالأصول الثابتة (العقارات) المحمية بقوانين الملكية الغربية. وفي ألمانيا، اشترى صندوق "Europe Trust" عقاراً ضخماً في منطقة "ويدنج " ببرلين بقيمة 4 ملايين يورو، وُصف بأنه مركز قيادة للجماعة في ألمانيا محمي بأوراق ملكية بريطانية تعزله عن الاستخبارات الألمانية . مؤكدا في فرنسا، بُني مركز "النور" في مولوز وهو مجمع ضخم يضم مسجداً ومدرسة وحمام سباحة بتكلفة 27 مليون يورو، وتربطه تقارير استخباراتية بمبادرة "غيث" التابعة لمنظمة خيرية، التي ضخت أكثر من 120 مليون يورو في 140 مشروعاً مماثلاً في أوروبا . ومضيفا الباحث ، أن البيانات تشير إلى وجود أكثر من 120 مدرسة تابعة للتنظيم في فرنسا وحدها، يتلقى عدد غير قليل منها دعماً مباشراً أو غير مباشر من شخصيات أو جمعيات واجهة تتبع التيار الإخواني .
بريطانيا واستثناء مثير للجدل
ويقول طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والقيادي الإخواني السابق، في حديثه لـ" اليوم السابع"، أن بريطانيا تبدو حالة استثنائية في المشهد الأوروبي. فبينما أقدمت الإدارة الأمريكية على تصنيف الفروع المصرية والأردنية واللبنانية لجماعة الإخوان ضمن قوائم الإرهاب، ما زالت بريطانيا تتعامل مع الملف بحذر شديد، حيث لا تتضمن صفحات جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أي إشارة إلى جماعة الإخوان فئة تهديد مستقلة، مؤكدا، أن هناك مسؤول أمني أوروبي مطّلع يقول "المؤسسة الأمنية البريطانية اتخذت قراراً ضمنياً منذ سنوات بأن الجماعات الاخوانية غير العنيفة ليس مشكلتها. هذا قرار سياسي بقدر ما هو أمني، وهو ما يفسر الفارق الكبير بيننا وبين شركائنا الأوروبيين" . موضحا، غير أن بريطانيا نفسها بدأت تشهد ضغوطاً متزايدة، حيث يغادر كثير من قيادات واستثمارات الجماعة بريطانيا وسط تضييق متصاعد.
مناديل منتهية الصلاحية
واضاف" البشبيشي" تشير كافة هذه المعطيات إلى أن العواصم الأوروبية وخاصة فرنسا وألمانيا والنمسا بدأت تتعامل مع قيادات تنظيم الإخوان الإرهابي كأدوات فقدت وظيفتها. فبعد أن استُخدمت هذه القيادات كورقة ضغط سياسي في مرحلة ما، أصبحت الآن عبئاً على العلاقات الدولية لهذه الدول، خاصة مع تصاعد الضغوط الأمريكية بعد قرار الرئيس ترامب بتصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً. ويُجسد هذا التحول فكرة "المناديل الورقية منتهية الصلاحية" التي لم تعد صالحة للاستخدام، ما دفع هذه العواصم إلى تجفيف منابع تمويلها، وتقييد أنشطتها، والتحضير لإدراجها رسمياً على قوائم الإرهاب الأوروبية.