تحل اليوم ذكرى الإعلان عن واحد من أهم الاكتشافات في تاريخ دراسة الحضارة المصرية القديمة، عندما عرض عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون نتائج أبحاثه أمام الأكاديمية الملكية للنقوش والآداب في باريس يوم 27 سبتمبر 1822، في رسالة عُرفت باسم «رسالة إلى السيد داسييه»، كاشفًا خلالها الأسس التي مكنته من فك رموز الكتابة الهيروغليفية. ويُعد هذا الإعلان اللحظة التي ارتبطت تاريخيًا بميلاد علم المصريات الحديث.
بدأت القصة قبل ذلك بأكثر من عقدين، عندما عثر جنود الحملة الفرنسية على حجر رشيد عام 1799 بالقرب من مدينة رشيد. وحمل الحجر نصًا واحدًا مكتوبًا بثلاثة أنظمة للكتابة: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة، وهو ما أتاح للباحثين مقارنة النص المعروف باللغة اليونانية بالنصوص المصرية التي كانت رموزها لا تزال غير مفهومة. وبعد هزيمة الحملة الفرنسية، انتقل الحجر إلى أيدي البريطانيين، وأصبح منذ عام 1802 ضمن مقتنيات المتحف البريطاني.
ولم يكن اكتشاف شامبليون نتيجة دراسة الحجر وحده، وإنما جاء بعد سنوات من دراسة اللغات والنصوص المصرية القديمة. وكان من أهم مفاتيح عمله معرفته باللغة القبطية، التي رأى أنها تمثل مرحلة متأخرة من تطور اللغة المصرية القديمة، إلى جانب إتقانه عددًا من اللغات القديمة والحديثة.
وكان الباحث الإنجليزي توماس يانج قد سبق شامبليون إلى تحقيق تقدم مهم في دراسة حجر رشيد، إذ تمكن من تحديد بعض العلامات التي تمثل أصواتًا في اسم الملك بطليموس. لكن شامبليون ذهب أبعد من ذلك، فتوصل إلى أن الهيروغليفية لم تكن مجرد رموز تمثل أفكارًا أو صورًا، بل تضمنت نظامًا صوتيًا يمكن من خلاله تسجيل اللغة المنطوقة.
واعتمد شامبليون بصورة خاصة على مقارنة أسماء الملوك داخل الخراطيش الملكية، ومن بينها اسما بطليموس وكليوباترا، ليستخلص القيم الصوتية لعدد من العلامات. ثم بدأ في تطبيق النتائج على نصوص مصرية أخرى، وهو ما قاده إلى فهم أوسع لنظام الكتابة المصرية القديمة.
وفي 27 سبتمبر 1822، قرأ شامبليون أمام الأكاديمية الفرنسية رسالته التي عرض فيها نتائجه حول «الأبجدية» الصوتية المستخدمة في كتابة أسماء وألقاب الحكام اليونانيين والرومان على الآثار المصرية. وقد حفظت المكتبة الوطنية الفرنسية هذه الرسالة ضمن مجموعاتها، وصدرت في باريس عام 1822.
وبعد إعلان اكتشافه، واصل شامبليون تطوير نظريته في نظام الكتابة المصرية، ونشر لاحقًا كتابه «موجز النظام الهيروغليفي عند المصريين القدماء» عام 1824، الذي قدم فيه مزيدًا من أبحاثه حول عناصر الكتابة المصرية وعلاقتها بالأنظمة الكتابية الأخرى في مصر القديمة.
ولم تتوقف رحلة شامبليون عند دراسة النصوص في أوروبا، إذ شارك لاحقًا في رحلة إلى مصر بين عامي 1828 و1830، حيث درس الآثار والنقوش المصرية بصورة مباشرة، وأسهمت ملاحظاته في توثيق عدد كبير من المعالم والنصوص التي أصبحت لاحقًا من مصادر دراسة الحضارة المصرية القديمة.