الدكتور بسام الخديوي يكتب: الفرصة الاقتصادية تبدأ من التشريع

الأحد، 20 سبتمبر 2026 12:53 م
الدكتور بسام الخديوي يكتب: الفرصة الاقتصادية تبدأ من التشريع الدكتور بسام الخديوي

عندما يدور الحديث عن إنشاء مركز مالي دولي في مصر، قد يبدو للوهلة الأولى أننا أمام مشروع اقتصادي يستهدف جذب البنوك والمؤسسات المالية الدولية ورؤوس الأموال الأجنبية، أو أمام مشروع عمراني جديد يمكن أن تحتضنه منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة. إلا أن النظر إلى تجارب المراكز المالية يكشف أن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فالمركز المالي لا تصنعه المباني وحدها، ولا تكفي الحوافز الاستثمارية والضريبية لإكسابه القدرة على المنافسة، وإنما يقوم في جوهره على منظومة قانونية وتنظيمية وقضائية تمنح المؤسسات التي تعمل من خلاله قدرًا مرتفعًا من الثقة واليقين والاستقرار.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن شكل المشروع أو موقعه هو ٠٠

 

لماذا تحتاج مصر إلى تطوير مركز مالي، وما الذي يمكن أن يضيفه إلى بيئتها الاستثمارية؟

مصر بطبيعتها ليست سوقًا صغيرة تبحث فقط عن وسيلة لجذب بعض المؤسسات المالية الأجنبية، فهي تمتلك اقتصادًا كبيرًا وموقعًا جغرافيًا يربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، إلى جانب سوق محلية واسعة وقطاع مصرفي ومالي قائم وعلاقات اقتصادية ممتدة مع الأسواق العربية والأفريقية والدولية.
وتلك المقومات تتيح التفكير في دور يتجاوز مجرد استقبال الاستثمار الأجنبي إلى استضافة جزء من الأنشطة التي تُدار من خلالها الاستثمارات ورؤوس الأموال والمعاملات المالية العابرة للحدود.

وهنا تظهر الوظيفة الحقيقية للمركز المالي الدولي
فالمركز ليس مجرد مكان تجتمع فيه البنوك وشركات الاستثمار، وإنما هو بيئة متكاملة تستطيع أن تعمل داخلها المؤسسات المالية ومديرو الأصول والصناديق وشركات التأمين وإعادة التأمين وشركات التكنولوجيا المالية وشركات الاستثمار المباشر ورأس المال المخاطر إلى جانب شركات المحاماة والمحاسبة والاستشارات الدولية وغيرها من الخدمات المهنية المرتبطة بالنشاط المالي.


لكن اجتذاب هذه المؤسسات لا يرتبط فقط بحجم السوق أو الموقع الجغرافي، فالمؤسسة المالية التي تقرر إدارة أعمال إقليمية أو استثمارات دولية من دولة معينة لا تنظر فقط إلى حجم الفرصة الاقتصادية وإنما تنظر كذلك إلى البيئة القانونية التي ستعمل في إطارها.


من يملك سلطة الترخيص والرقابة ٠٠ ما حدود اختصاص الجهة التنظيمية ٠٠ ما القانون الذي سيحكم المعاملات والعقود ٠٠ كيف تُحمى حقوق المستثمرين ٠٠ كيف تتم تسوية المنازعات ٠٠ وأمام أي جهة قضائية ٠٠ وما مدى سرعة وفاعلية تنفيذ الأحكام ٠٠ وهل يستطيع المستثمر توقع الأثر القانوني لقراراته ومعاملاته بدرجة معقولة من اليقين؟


هذه الأسئلة ليست مسائل قانونية جانبية تأتي بعد اتخاذ القرار الاستثماري، وإنما تدخل في صميم هذا القرار.


ومن هنا تظهر أهمية مفهوم اليقين القانوني، فكلما كانت القواعد واضحة ومستقرة والاختصاصات محددة وآليات الرقابة وتسوية المنازعات قابلة للتوقع، انخفض جانب من المخاطر القانونية والتنظيمية التي تدخل في حساب المستثمر والمؤسسة المالية عند اختيار السوق التي ستعمل من خلالها.


ولهذا لم تُبنَ التجارب الإقليمية البارزة للمراكز المالية على الحوافز الاقتصادية وحدها. ففي مركز دبي المالي العالمي، على سبيل المثال، يقوم النظام على إطار قانوني وتنظيمي خاص بالمسائل المدنية والتجارية، إلى جانب جهة مستقلة لتنظيم الخدمات المالية ومحاكم متخصصة. كما يقوم سوق أبو ظبي العالمي على منظومة تشريعية وتنظيمية وقضائية خاصة به في المسائل المدنية والتجارية والمالية. ولا تكمن أهمية هاتين التجربتين بالنسبة لمصر في ضرورة استنساخهما، وإنما في الدرس الذي تقدمانه: أن القانون أصبح أحد عناصر المنافسة بين المراكز المالية.


فالمستثمر الدولي لا يختار بين مواقع جغرافية فحسب، وإنما يقارن أيضًا بين الأنظمة القانونية المختلفة، ويصبح القانون بهذا المعنى جزءًا من البيئة الاستثمارية التي تعرضها الدولة على رأس المال، وليس مجرد مجموعة من القواعد التي تنظمه بعد دخوله إليها.


وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة عند التفكير في تطوير مركز مالي دولي في مصر فالقانون الاستثماري يؤدي عادة وظيفتين متكاملتين: الأولى تنظيم النشاط وحماية المصالح العامة للدولة والمتعاملين في السوق، والثانية توفير البيئة التي تسمح لرأس المال بممارسة النشاط في إطار واضح ومستقر. ومن ثم فإن نجاح التشريع لا يقاس فقط بما يمنحه من إعفاءات أو حوافز، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين كفاءة التنظيم من ناحية، والثقة والمرونة واليقين القانوني من ناحية أخرى.


ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد إضافة منطقة استثمارية ذات نظام خاص إلى الخريطة الاقتصادية المصرية. الطموح الأكبر هو إنشاء منصة قانونية ومالية تستطيع المؤسسات من خلالها تأسيس وإدارة وتمويل استثمارات ومعاملات ذات امتداد إقليمي ودولي من داخل مصر.

وهنا يمكن أن تظهر ميزة مصر الحقيقية

فالدولة التي تمتلك سوقًا كبيرة وموقعًا استراتيجيًا وبنية تحتية متطورة تمتلك جزءًا مهمًا من مقومات النجاح، لكن تحويل هذه المقومات إلى مركز قادر على المنافسة يحتاج إلى عنصر آخر وهو الإطار القانوني الذي يجعل التعامل من داخله واضحًا وآمنًا وقابلًا للتوقع بالنسبة للمستثمر والمؤسسة المالية الدولية.
ولذلك فإن الحديث عن تطوير مركز مالي دولي في مصر يجب ألا يبدأ بالسؤال عن الحوافز التي سيقدمها، وإنما بالسؤال عن البيئة القانونية التي سيقدمها.
هل سيكون للمركز إطار مؤسسي يتمتع بالاستقلال والكفاءة ٠٠ وهل سيكون تنظيم الأنشطة المالية داخله قادرًا على مواكبة التطور السريع للأسواق والأدوات المالية ٠٠ وكيف ستُحدد العلاقة بين سلطاته والجهات التنظيمية الوطنية ٠٠ وما النظام القانوني الذي سيحكم المعاملات التي تتم داخله ٠٠ وكيف ستنشأ منظومة قضائية وتسوية منازعات توفر السرعة والتخصص والقدرة على تنفيذ الأحكام؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كنا بصدد منطقة أعمال تضم مؤسسات مالية أم أمام بيئة مالية متكاملة قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية.

ومن ثم، فإن أهمية المشروع بالنسبة لمصر لا تقتصر على إمكانية جذب المزيد من الاستثمارات وإنما تمتد إلى فرصة أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين القانون والاستثمار، بحيث يتحول التشريع من مجرد أداة لتنظيم النشاط الاقتصادي إلى أحد عناصر القدرة التنافسية للدولة في جذب النشاط المالي الدولي.
فالقانون الجيد لا يكتفي بمنح المستثمر حق الدخول إلى السوق، بل يحدد له قواعد العمل ويحمي معاملاته ويوضح التزاماته ويمنحه وسائل فعالة للدفاع عن حقوقه.

وكلما اتسمت هذه القواعد بالوضوح والاستقرار والقدرة على مواكبة التطور، أصبحت الدولة أكثر قدرة على تحويل موقعها الجغرافي وحجم سوقها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

فرأس المال لا يبحث فقط عن الفرصة.. بل يبحث أيضًا عن القانون الذي يحمي تلك الفرصة ..
ولهذا فإن أي مشروع يستهدف جذب النشاط المالي والاستثماري الدولي ينبغي أن يبدأ من التشريع، ليس باعتباره مرحلة لاحقة أو أداة فنية، وإنما باعتباره جزءًا من تصميم المشروع نفسه. فاختيار الموقع وتحديد الحوافز وإنشاء المؤسسات وتنظيم الأنشطة وتسوية المنازعات، كلها عناصر لا يمكن أن تعمل بكفاءة ما لم يجمعها إطار قانوني واضح ومتسق.

وتملك مصر بالفعل مقومات مهمة يمكن البناء عليها، سوق واسعة وموقع استراتيجي وقطاع مالي متنوع وبنية تحتية تتطور بصورة مستمرة وخبرة مؤسسية في تنظيم الأنشطة المصرفية والمالية والاستثمارية.

غير أن هذه المقومات تحتاج إلى ترجمة تشريعية تجعلها قابلة للتحول إلى ميزة تنافسية مستدامة.

فالفرصة الاقتصادية لا تبدأ عند افتتاح المبنى أو إطلاق المنطقة، وإنما تبدأ عند صياغة القواعد التي تحدد كيف تعمل المؤسسات وكيف تحمى الحقوق وكيف تُدار المخاطر وكيف تُحل المنازعات.

ومن هنا، فإن تطوير مركز مالي دولي في مصر ليس مجرد مشروع لجذب رؤوس الأموال، بل فرصة لإعادة بناء البيئة القانونية للاستثمار على نحو يجعل التشريع نفسه عنصرًا من عناصر الجذب والتنافس.فحين يصبح القانون واضحًا ومستقرًا وفعالًا، لا يعود مجرد إطار للنشاط الاقتصادي، بل يتحول إلى أصل اقتصادي قادر على صناعة الفرصة وحمايتها واستدامتها.


                                                                                           الدكتور بسام الخديوي
                                                                                       مؤسس ورئيس شركة الخديوى
                                                                                      للمحاماة والاستشارات القانونية

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة