من بعثة 1927 إلى مطابع القاهرة.. كيف صنعت مصر والسعودية جسرا معرفيا امتد نحو قرن؟ طلاب سعوديون فى الجامعات المصرية وأساتذة وكتب ومناهج عبرت إلى الرياض وصنعت تاريخا من التبادل الثقافى

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 08:01 م
من بعثة 1927 إلى مطابع القاهرة.. كيف صنعت مصر والسعودية جسرا معرفيا امتد نحو قرن؟ طلاب سعوديون فى الجامعات المصرية وأساتذة وكتب ومناهج عبرت إلى الرياض وصنعت تاريخا من التبادل الثقافى مصر والسعودية

أحمد إبراهيم الشريف

قبل أن تتحول العلاقات الثقافية بين مصر والمملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات رسمية ومعارض كبرى، كان هناك طريق آخر أكثر هدوءًا يمتد بين البلدين، صنعه الطلاب والمعلمون والكتب والمطابع، وبدأ منذ العقود الأولى من القرن العشرين، عندما أصبحت مصر واحدة من الوجهات المبكرة للبعثات التعليمية السعودية، بينما شارك مدرسون وخبرات مصرية فى مراحل من بناء التعليم الحديث داخل المملكة.

وتكشف هذه الحركة عن جانب مهم من تاريخ العلاقات الثقافية بين البلدين، لم يكن قائمًا على انتقال المعرفة فى اتجاه واحد، فقد عاد المبتعثون السعوديون إلى بلادهم ليشاركوا فى بناء مؤسساتها التعليمية والثقافية، بينما انتقلت خبرات ومدرسون وكتب ومناهج مصرية إلى المملكة، وتشكل من هذا التفاعل واحد من أقدم جسور المعرفة الحديثة بين القاهرة والرياض ومكة والإسكندرية.

1927 .. مصر محطة مبكرة للبعثات السعودية

تعود واحدة من المحطات الرئيسية إلى عام 1927، حين وافق الملك عبدالعزيز على مشروع الابتعاث إلى الخارج، وكانت مصر من أولى وجهاته، قبل أن تتسع حركة الابتعاث السعودى لاحقًا إلى دول أخرى.


ومع تأسيس مدرسة تحضير البعثات فى مكة عام 1936، أصبحت المدرسة تعد الطلاب السعوديين للدراسة خارج المملكة، خاصة فى الجامعات المصرية، وهو ما جعل القاهرة والإسكندرية جزءًا مبكرًا من مسيرة إعداد كوادر سعودية فى تخصصات متعددة.


ولم تتوقف أهمية هذه البعثات عند الحصول على الشهادات، فقد عاد عدد من خريجيها إلى المملكة للمشاركة فى التعليم والإدارة والعمل الثقافى، وأصبح بعضهم لاحقًا من الشخصيات المؤثرة فى الحياة الفكرية والصحفية السعودية.

1936  .. "وحى الصحراء" يصل إلى المشهد الأدبى المصرى

فى الوقت الذى تحرك فيه الطلاب، كانت الكتب والأفكار تسير فى الطريق نفسه، ففى عام 1936 صدر كتاب "وحى الصحراء"، الذى جمعه محمد سعيد عبدالمقصود وعبدالله عمر بلخير، ويعد من الكتب المبكرة التى قدمت نماذج من الأدب السعودى شعرًا ونثرًا.


وحمل الكتاب مقدمة للأديب والمفكر المصرى محمد حسين هيكل، إلى جانب قصيدة تحية أرسلها على أحمد باكثير من القاهرة، فى واحدة من الصور المبكرة لاتصال الأدب السعودى بالمشهد الثقافى المصرى.


كما كان للأدب المصرى وتياراته حضور لدى عدد من رواد الأدب السعودى؛ إذ تأثر محمد حسن عواد بعباس محمود العقاد وبجماعة أبولو، وكان من الداعين إلى اتجاهها الأدبى داخل المملكة.


وهكذا لم يكن التفاعل مجرد حركة أشخاص، وإنما شمل النقد والمدارس الأدبية والمجلات والكتب، التى انتقلت بين البلدين وأسهمت فى خلق مساحة ثقافية عربية مشتركة.

حمد الجاسر.. طالب فى القاهرة ثم صانع للمؤسسات فى الرياض

ومن الشخصيات التى تختصر هذه العلاقة بصورة واضحة حمد الجاسر، أحد أبرز أعلام الثقافة والصحافة والبحث التاريخى فى المملكة.
ففى عام 1939 ابتعث الجاسر إلى القاهرة، والتحق بكلية الآداب فى جامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًا، قبل أن تؤدى ظروف الحرب العالمية الثانية إلى عودة المبتعثين السعوديين إلى المملكة.


لكن أهمية التجربة لا تتوقف عند الأشهر التى قضاها فى القاهرة؛ فالجاسر عاد إلى المملكة وشارك لاحقًا فى تطوير التعليم والصحافة والثقافة، ليصبح نموذجا للطالب الذى انتقل طلبًا للمعرفة ثم عاد ليكون طرفًا فى صناعة المؤسسات داخل بلاده.

1943 ..  أول ملحقية ثقافية سعودية خارج المملكة

ومع اتساع أعداد الطلاب السعوديين فى مصر ظهرت الحاجة إلى وجود مؤسسى يتولى متابعة شؤونهم، فجاء إنشاء "دار البعثات السعودية" فى القاهرة والإسكندرية عام 1943، والتى تعد أول ملحقية ثقافية سعودية خارج المملكة.


وتكشف الأرقام المنشورة لاحقًا عن اتساع حركة الدراسة؛ ففى عام 1951 بلغ عدد الطلاب السعوديين فى الجامعات المصرية 102 طالب، وفق ما نقلته موسوعة المملكة العربية السعودية عن صحيفة البلاد، وتوزعوا على تخصصات الطب والتجارة والقانون والآداب والزراعة ودار العلوم والهندسة.


وتوضح هذه الأرقام المكانة التى احتلتها الجامعات المصرية فى مرحلة من مراحل إعداد الكوادر السعودية، بينما تكشف مسيرة عدد من هؤلاء الطلاب أن المعرفة التى اكتسبوها تحولت لاحقًا إلى خبرات شاركت فى تطوير مؤسسات المملكة.

كتب سعودية تخرج من مطابع القاهرة

لم تكن الجامعات وحدها نقطة اتصال بين البلدين، فقد كانت القاهرة أيضًا مركزًا عربيًا مهمًا للطباعة والنشر، وحضرت مطابعها فى تاريخ عدد من الكتب السعودية المبكرة.


وفى عام 1946 طبع الأديب السعودى فؤاد بن إسماعيل شاكر كتابه "رحلة الربيع" فى القاهرة بمطبعة دار إحياء الكتب العربية، وصدر الكتاب بمقدمة لعباس محمود العقاد، وتناول رحلة إلى نجد ولقاء الملك عبدالعزيز ومشاهدات المؤلف هناك.


وبعد عام واحد، خرج من مطبعة "استاندارد" بالقاهرة ديوان "البسمات الملونة" للشاعر السعودى حسن عبدالله القرشى، أحد الأسماء المهمة فى تاريخ الشعر السعودى الحديث.


وكانت تلك الكتب جزءًا من مرحلة وجد فيها عدد من الأدباء السعوديين فى القاهرة مطابع ونقادًا وقراء، بينما كان الأدب السعودى نفسه يبنى شخصيته ويقدم أصواته الخاصة داخل المشهد العربى.

1950.. الخبرات المصرية تصل إلى الرياض

وفى الاتجاه الآخر، كانت المعرفة تتحرك من مصر إلى المملكة، فحين تولى حمد الجاسر مسؤولية التعليم فى نجد، أنشأ عام 1950 مدرسة ليلية لتطوير قدرات المعلمين، واستعان فيها بعدد من المدرسين المصريين الذين كانوا يعملون فى مدرسة أبناء الملك سعود.


كما كُلف الجاسر بالاتصال بعلماء فى مصر لاختيار من يصلح للتدريس فى المعهد العلمى بالرياض، والاطلاع على مناهج المعاهد الدينية وكليتى الشريعة واللغة العربية بالأزهر، إضافة إلى طباعة كتب رأى أنها مناسبة فى مطابع القاهرة.


وتقدم هذه المحطة صورة دقيقة لطبيعة العلاقة؛ فالرجل الذى جاء إلى القاهرة طالبًا عام 1939 عاد بعد سنوات ليشارك فى بناء مؤسسة تعليمية سعودية تستعين بخبرات مصرية، بينما كان السعوديون أنفسهم يقودون عملية إنشاء مؤسساتهم وتطويرها.

المعرفة تتحرك فى الاتجاهين

يكشف تاريخ التعليم والكتاب بين مصر والسعودية أن العلاقة لم تكن قصة طرف يعطى وطرف يتلقى، وإنما حركة متبادلة بدأت بالطلاب ثم امتدت إلى الأساتذة والكتب والمناهج والمطابع والنقد الأدبى.


فدرس سعوديون فى مصر ثم عادوا للمشاركة فى بناء مؤسسات بلدهم، وعمل مصريون فى المملكة إلى جوار الكوادر السعودية، وطبعت القاهرة كتبًا سعودية، وتأثر أدباء سعوديون بتيارات أدبية مصرية وعربية ثم أسهموا بدورهم فى تشكيل أدب سعودى له صوته وخصوصيته.


ومن هنا تبدو مرحلة البعثات والكتب أكثر من مجرد فصل قديم فى العلاقات بين البلدين؛ فقد كانت الأساس الذى مهد لعلاقة ثقافية أوسع ستنتقل لاحقًا من الجامعة والمطبعة إلى المسرح والأغنية والمعرض والمهرجان.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة