ربع قرن وما يزال الجُرح ساخنًا؛ كأنه فُتِحَ بالأمس القريب. ينزف دمًا وكرامة، وبعض الغباء أيضًا؛ ولو أنكر الجريح، أو جَدّ فى إسقاط أزمته الممتدّة على سواه، والقفز على شعور الضعف باستضعاف بلادٍ وسحق عباد.
أثرُ الفراشة لا يزول، كما قال درويش مستعيرًا جُملته الشعرية البليغة من عالم الرياضيات الأمريكى الشهير إدوارد لورينتز.. هذا عن أقلّ رفّة لكائن وديع؛ فما بالك لو هزّ وحش أسطورى جناحيه، أو ارتّجت الأرض بالزلازل والبراكين!
لكلٍّ فعلٍ طاقة، والطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث من عَدَم. ولكى تتحرّك البشرية للأمام؛ احتاجت دومًا لأن تحرق ماضيها بطرقٍ شتّى، وتدوس بقدمٍ غليظة على ما كانت ترأف به وتتعبّد له فى وقتٍ سابق.
حذّر الرئيس الصينى مؤخّرًا من «فخ ثيوسيديدس»، ويستهلكه المحللون يوميًّا فى مقالاتهم. وطبائع الأيام أنها تحمل الخير والشر، والمفارقة أن أغلب خيراتنا على طول الرحلة، تأتَّت من شرورٍ خالصة.. ومن السموم الناقعات دواء؛ على قولة شوقى فى قصيدته الذائعة «وُلِد الهُدى».
يحكم التناقض أفعالنا، على أى مقياس دينى أو دنيوى. الخطيئة أخرجت آدم من الجنة ليعمُر الأرض، والتطوّر لدى الماديين يقود مسيرة البشر؛ غير أن الانتقاء والبقاء تحكمهما اعتبارات خفيّة أحيانًا، وقد تطغى عليهما الميتافيزيقيا فى حالاتٍ عِدّة.
ما كل تلك المقدمة الطويلة، والغامضة؟ إنه البحث عن تمهيد سلس، وافتتاحية تنطوى على حكمة ما؛ بالرغم من أننى أشتبك، وكما يفعل أغلبنا دائمًا، مع موضوعات فى غاية الحماقة أصلاً.
كأن تُباد حضارة لتزدهر أخرى، أو تُروَى الأرض بالدم لتخضرّ تحت أقدام وافدين جُدد، منذورين للذبح أيضًا، مع اختلاف الأوان والكيفية ودرجة التوحُّش.
صعود الامبراطوريات وتهاويها، وتحوّلات الشرق من مصر بأطوارها المتلاحقة، والشام، وفارس والأناضول، بدءًا بالبداوة فالخلافات المتبوعة بخلافاتٍ فككت الأوصال، وفتّتت الجغرافيا والديمواغرافيا.
وكذلك الغرب بصراعات ممالكه الجغرافية والعقائدية، كحروب المائة سنة والثلاثين عاما والوردتين، واحتراب الأمريكيين أهليًّا ولأجل الاستقلال، وصولاً إلى الحربين العالميتين.
وما بين جهتَى الأرض: من زمن الفراعنة والبيزنطيين والبطالمة، وفى الأندلس، وحتى الاستعمار والانتدابات والتقسيم وموجات التحرُّر، وكل ما تلا ذلك إلى محطّة الأزمات الراهنة فى المنطقة.
لا يتغير التاريخ إلّا بحروبٍ كُبرى؛ ولو من طرفٍ واحد. سواء حسمت الاشتباك بالقوة العارية، أو أحدثت زحزحةً طفيفة على مسار التاريخ، تتفاعل عبر الزمن حتى تكتمل.. ولعلّ أحداث 11 سبتمبر 2001 من تلك الفئة!
طُعِنَت الولايات المُتّحدة فى كبريائها، وقد عاشت تتحصّن بالمُحيطين شرقا وغربا، وتُدير حروبها على أراضى الآخرين؛ فأتتها الضربة القاسية من العُمق، ومن حيث لم تحتسب، أو تتخيّل أن يجرؤ أحد على اصطيادها داخل معقلها الحصين.
لم تكن حلاوة الإجهاز على الغريم السوفيتى غادرت لسانها بعد. مُجرّد عشر سنوات مرّت، واعتبرت أنها حسَمت «نهاية التاريخ» على ما قال فوكوياما.
وإن التفتت إلى تنظيرة هنتنجتون عن «صدام الحضارات»؛ فالمؤكّد أنها لم تخرج بها عن حدود الشرق الأوسط، وما خطر على بالها أن تراها نارًا مُلتهبة فى نيويورك وواشنطن.
وبعيدًا من المئات الذين قضوا فى البُرجين، وأثر الطائرة الثالثة على هالة البنتاجون، وحتى الرابعة التى تحطّمت فى الأحراج؛ لكنها حطّمت معها جانبًا من الهيبة الأمريكية. كان الحدث فاصلاً بين حقبتين، انتهت واحدة، ولم تبدأ الثانية بعد.
أو كما يقول المفكر الماركسى الإيطالى أنطونيو جرامشى، عن أزمة العالم فى أن قديمه ينتهى، وجديده لم يُولَد، وما بين العتمة والضوء تظهر الوحوش، وهو ما جرى بالفعل.
كان المُتّهم معروفًا؛ لكن التهمة تطلّبت التنكيل بالأبرياء. تخطّى الأمر نطاق المُعاقبة أو القصاص، وتعيّن على الإمبراطورية أن تُنافح عن حاضرها، ومستقبلها، تُخيف المُتبجّحين وتردع المُتحفّزين، وتنفق فترة النقاهة فى إعادة ترتيب الأوراق، وموازين القوى أيضا.
حمل تنظيم «القاعدة» بصمة أمريكية؛ أو على الأقل انتفع بدعمها، وكان ضمن أدواتها فى لملمة دفاتر الحرب الباردة، والإجهاز على القُطب الشرقى.
اقتربت واشنطن من الأصولية السُنيّة؛ ثم انقلبت عليها. وبينما كان الواجب أن تتداوى من الغرام بالرجعيات الدينية؛ فإنها استبدلت بالعمامة البيضاء أخرى سوداء، وأحلّت مذهبًا فى العنف محلّ آخر.
لم تكن العلاقة مثالية مع الجمهورية الإسلامية منذ ثورة الخُمينى؛ لكنها لم تكن سيئة تماما. سُلِّح الملالى فى حربهم مع العراق، وغُفِرَت لهم الجرأة والتعدّى على الأصول الأمريكية فى لبنان وغيرها، وتراوح التعامل بين الاحتواء والمُهادنة فى شأن الملف النووى والميليشيات الرديفة وغير ذلك.
رأى المُخطّطون على الجانب الآخر من الأرض، أن الإرهاب صفة سُنيّة؛ فقرروا الاقتراب من الضفة الشيعية.
ربما تفتّق ذهن الجمهوريين عن تلك الرؤية، فيما رأى الديمقراطيون أن جماعة الإخوان يُمكن أن تكون مدخلاً إلى هندسة مُغايرة للعالم السُنّى.
والنتيجة: فُتِحَت ثغرة إقليمية واسعة للملالى فى أفغانستان، وسُلِّم لهم العراق كاملاً، وأُرخِى الحبل فى سوريا ولبنان، ثم فى اليمن لاحقًا.
تعمّقت الروابط مع جماعة حسن البنا، فى مركزها الرئيسى بمصر، وتنظيمها الدولى وبعض فروعها فى المنطقة.
ودُعِمَت سياسيا وماليا، وإلى حدّ فرضها على المجال العام، ثم تعبيد طريقها إلى السلطة بدرجات مُتفاوتة، من تونس لمصر واليمن وليبيا والمغرب وغيرها.
تصدُق مُجدّدا مقولة وينستون تشرشل؛ فالولايات المُتّحدة تذهب إلى الخيار الصائب؛ إنما بعد أن تُجرّب كل الخيارات الخاطئة، وللأسف يبدو أنها ما تزال فى مرحلة ما قبل الانتقال.
تحالفت مع القاعدة، وتعادت معها، ثم احتضنتها مرّة ثانية مُمثّلة فى الجناح الجهادى الصاعد فى الشام بعد إطاحة نظام بشار.
هادنت إيران، وأبرمت معها صفقات فوق الطاولة وتحتها، وأخلت لها بلاد الرافدين، وحلّت الجيش ليكون العراق لقمةً سائغة لها، ولكل طامعٍ حليفٍ لها أو مُعادٍ.
مرّ صعود تنظيم «داعش» من تحت أنفها، ووظّفت ورقته حينًا، وحاربته أحيانًا، وما يزال الملف مُلتبسا بشأنه من أرض العرب إلى الساحل الأفريقى.
الحرب الدائرة اليوم فى الخليج العربى نتائج رخاوة قديمة، وديون تُستوفَى عن الصمت الطويل، والأدوار المشبوهة، وعن تذخير التشيُّع لمواجهة التسنُّن، وليكون فزّاعة لدول المنطقة الغنية، ورادعًا للساعين منها إلى الاستقلال وحرية الحركة.
ربع قرن فترة كافية لاستخلاص العِبَر، والحُكم على المواقف والممارسات.
الولايات المُتحدة رعت الحيّة وأدفأتها؛ حتى لدغتها فى فراشها. واقتصّت من الآخرين عمّا جنته على نفسها، وتعثّرت وما تزال.
ولكى لا يتكرر 11 سبتمبر لديها، حوّلته إلى طقس دائم ومُتكرر ولا يتوقف على جبهات الخطر؛ بدلاً من احتوائها أو إعانتها على أن تتعافى من رواسب الماضى، وتستخلص مسارها ومصيرها من الاستقطاب وسطوة الأصولية وتحالفاتها المشبوهة.
رفع كلينتون فى حملته الانتخابية شعار «إنه الاقتصاد يا غبى»، قبل أن ينزلق بالحزب الديمقراطى فى مستنقع النيوليبرالية. وصار مُقدّمة للتوحّش؛ ثم الغباء اللاحق مع بوش الابن.
شخّص الداء فعلاً؛ لكنه تداوى بأسوأ وصفة مُمكنة. وهو ما حدث بالضبط فى السياسة وعلاقة واشنطن بالشرق.
إذ ما تزال مُرتبكة وفاقدة الرؤية، تُدمن اللعب بالأُصوليات ومعها، وتنقل رصاصتها من بندقيّة لأخرى، يُطاردها شبحُ البرجين، وتُطارد أوهام إضافة قرنٍ جديد لعُمرها الإمبراطورى، وغباوة الإصرار على اصطياد الثعالب بالضباع والعكس.