من المزرعة إلى أوروبا.. قواعد الاتحاد الأوروبى تعيد رسم تجارة الكاكاو فى كوت ديفوار.. التكنولوجيا تهدد بإرباك موسم التصدير.. التجار يعانون من النظام الأوروبى المستحدث.. كوت ديفوار تنتج نحو 40% من كاكاو العالم

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 04:00 ص
من المزرعة إلى أوروبا.. قواعد الاتحاد الأوروبى تعيد رسم تجارة الكاكاو فى كوت ديفوار.. التكنولوجيا تهدد بإرباك موسم التصدير.. التجار يعانون من النظام الأوروبى المستحدث.. كوت ديفوار تنتج نحو 40% من كاكاو العالم مزارع الكاكاو - أرشيفية

كتبت ريهام عبد الله

تدخل صناعة الكاكاو في كوت ديفوار مرحلة اختبار جديدة مع انطلاق موسم 2026/2027، بعدما أصبح على التجار والتعاونيات ووكلاء الشراء التعامل مع نظام إلكتروني جديد لتتبع حبوب الكاكاو من المنتج إلى سلسلة التوريد، في محاولة للاستعداد لقواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة لمكافحة إزالة الغابات.

 

وبينما تمثل أوروبا السوق الأهم للكاكاو الإيفواري، تواجه المنظومة الجديدة عقبات على الأرض، من نقص أجهزة الدفع والتتبع إلى صعوبة تعامل بعض العاملين في المناطق الريفية مع الأدوات الرقمية، ويحذر المصدرون من أن استمرار هذه المشكلات قد يؤدي إلى إبطاء عمليات الشراء والتسليم خلال الأشهر الأولى من الموسم الجديد، بما يفتح الباب أمام اضطرابات محتملة في الإمدادات والأسعار العالمية.

 

ولا تتعلق الأزمة بمجرد تحديث تقني لآليات شراء محصول استراتيجي، وإنما تكشف عن تحول أعمق في تجارة السلع الزراعية الأفريقية، حيث أصبحت إمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية مرتبطة بصورة متزايدة بالقدرة على إثبات مصدر المنتج وظروف إنتاجه ومدى توافقه مع المعايير البيئية الدولية.

 

أوروبا تضع "إزالة الغابات" شرطًا جديدًا لدخول الكاكاو

تأتي الخطوة الإيفوارية استجابة للائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمنتجات الخالية من إزالة الغابات EUDR، التي تشمل الكاكاو إلى جانب البن وزيت النخيل والمطاط وفول الصويا والأخشاب والماشية.

 

وتُلزم القواعد الشركات التي تطرح هذه المنتجات في السوق الأوروبية أو تصدرها منه بإثبات أنها لم تنتج على أراضٍ تعرضت لإزالة الغابات، وأنها تتوافق كذلك مع التشريعات ذات الصلة في بلد الإنتاج.

 

ووفق المفوضية الأوروبية، يبدأ التطبيق بالنسبة للمشغلين والمؤسسات المتوسطة والكبيرة في 30 ديسمبر 2026، بينما تمتد المهلة إلى 30 يونيو 2027 بالنسبة لبعض الشركات متناهية الصغر والصغيرة.

 

وتحدد القواعد تاريخًا مرجعيًا مهمًا؛ إذ تعتبر المنتجات المرتبطة بأراضٍ تعرضت لإزالة الغابات بعد 31 ديسمبر 2020 غير مستوفية لمعيار "خالية من إزالة الغابات"، كما يتعين تقديم بيانات وإقرارات العناية الواجبة عبر نظام معلومات أوروبي مخصص.

 

وهكذا، لم تعد عبارة "هذا الكاكاو إيفواري" كافية وحدها بالنسبة للمشتري الأوروبي؛ بل يتعين أن تكون سلسلة التوريد قادرة على تقديم أدلة وبيانات تسمح بتتبع المنتج إلى مصدره.

 

كوت ديفوار.. عملاق عالمي يخشى تعثر السلسلة

تكتسب القواعد الأوروبية أهمية استثنائية بالنسبة لكوت ديفوار، أكبر منتجي الكاكاو في العالم، حيث يعتمد الاقتصاد الزراعي بصورة كبيرة على المحصول.

 

وبحسب رويترز، تنتج كوت ديفوار نحو 40% من الكاكاو العالمي، بينما يذهب نحو 70% من صادراتها من الكاكاو إلى أوروبا، ما يجعل أي خلل كبير في عمليات التصدير قادرًا على التأثير في الأسواق العالمية.

 

وتشير بيانات حكومية إيفوارية إلى أن قطاع الكاكاو يوفر مصدر رزق لنحو 1.2 مليون مزارع ويدعم معيشة قرابة 8 ملايين شخص في البلاد.

 

كما أظهرت بيانات حديثة منشورة عبر منصة البيانات الحكومية أن إنتاج الكاكاو الإيفواري شهد تراجعًا كبيرًا في إحدى الفترات الأخيرة، متأثرًا بعوامل مناخية وأمراض أصابت المزارع، وهو ما يوضح حجم الحساسية التي تواجهها سلسلة الإنتاج أمام أي صدمة إضافية.

 

بطاقة إلكترونية لكل منتج.. التحول الرقمي يصل إلى المزارع

اعتبارًا من بداية موسم 2026/2027 في الأول من سبتمبر، ألزم مجلس القهوة والكاكاو الإيفواري بإجراء عمليات شراء الكاكاو باستخدام بطاقة إلكترونية للمنتج، بهدف ربط عمليات الشراء بمصدر الحبوب وتتبعها عبر سلسلة التوريد.

 

لكن التطبيق العملي كشف عن فجوة بين النظام الذي صممته الجهات التنظيمية وبين واقع المناطق الريفية.

 

وبحسب رويترز، قال مصدرون إن عددًا من التعاونيات ووكلاء الشراء لم يتلقوا بعد المعدات اللازمة، فيما اشتكى عاملون في القطاع من نقص أجهزة الدفع والأكياس والأختام المطلوبة لإتمام عمليات الشراء في مناطق الإنتاج، كما يواجه بعض المشترين والوكلاء صعوبة في استخدام أدوات الشراء والتتبع الرقمية.

 

ويقر مجلس القهوة والكاكاو بوجود بعض الصعوبات، لكنه يرى أنها ليست خطيرة، مؤكدًا أن عملية توزيع المعدات مستمرة وأن النظام سيعمل بصورة أفضل مع مرور الوقت.

 

وقال المجلس إنه اشترى 20 ألف جهاز دفع جديد، وإن عملية التوزيع تتم وفقًا لحجم المشتريات في الموسم السابق.

 

التكنولوجيا تتحول إلى عنق زجاجة

المفارقة أن التكنولوجيا التي يفترض أن تجعل سلسلة توريد الكاكاو أكثر كفاءة وشفافية قد تتحول مؤقتًا إلى نقطة اختناق.

 

فإذا لم يتمكن وكيل الشراء في قرية نائية من تسجيل العملية إلكترونيًا، أو لم تتوافر لديه المعدات المطلوبة، فإن المشكلة لا تتوقف عند حدود الصفقة المحلية؛ إذ يمكن أن تتأخر الحبوب عن الوصول إلى التعاونيات والمخازن والموانئ، قبل أن تدخل مرحلة التصدير.

 

وهذا تحديدًا ما يحذر منه المصدرون، إذ يرون أن استمرار مشكلات المعدات والتدريب يمكن أن يؤدي إلى إبطاء عمليات الشراء والتسليم خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، وهما من الفترات المهمة في بداية الموسم.

 

ومن هنا تتحول مسألة "التتبع" من أداة بيئية إلى عامل اقتصادي مباشر قد يؤثر في سرعة وصول المنتج إلى الأسواق الأوروبية.

 

المزارع الإيفواري في قلب المعادلة

أكبر تحديات النظام الجديد قد لا تكون في الموانئ أو شركات التصدير الكبرى، وإنما في الحلقة الأولى من السلسلة: المزارع الصغير.

 

فغالبية إنتاج الكاكاو يعتمد على عدد كبير من المنتجين والمزارع المنتشرة في مناطق ريفية، ما يجعل بناء نظام رقمي موحد يتطلب تدريبًا مستمرًا واستثمارات في البنية التحتية والمعدات والاتصالات.

 

وإذا تحولت متطلبات التتبع إلى تكلفة إضافية على المنتجين، فقد يصبح السؤال الأهم هو: من سيدفع تكلفة التحول الأخضر والرقمي؟ فالهدف الأوروبي يتمثل في الحد من مساهمة الاستهلاك الأوروبي في إزالة الغابات وحماية التنوع البيولوجي، لكن تنفيذ هذا الهدف في دول منتجة تعتمد اقتصاديًا على الزراعة يتطلب تمويلًا وقدرات تقنية حتى لا تتحول المعايير البيئية إلى عائق أمام صغار المزارعين.

 

لماذا يخشى العالم اضطراب صادرات كوت ديفوار؟

لا تكمن أهمية الأزمة بالنسبة لكوت ديفوار وحدها؛ فالكاكاو سلعة عالمية، وأي اضطراب كبير في إمدادات أحد أكبر المنتجين يمكن أن ينعكس على أسعار الحبوب ومنتجات الشوكولاتة حول العالم.

 

وتشير أحدث بيانات المنظمة الدولية للكاكاو إلى أن إنتاج الكاكاو العالمي في موسم 2024/2025 قُدر بنحو 4.723 مليون طن، مقابل طحن عالمي بلغ نحو 4.628 مليون طن، مع تسجيل فائض عالمي مقدر بنحو 48 ألف طن في تقديرات مايو 2026.

 

لكن وجود فائض عالمي لا يعني أن الأسواق محصنة أمام اضطراب مؤقت في الإمدادات من كوت ديفوار؛ فسرعة تدفق المحصول وتوقيت وصوله إلى الأسواق عنصران أساسيان في تحديد التوازن بين العرض والطلب.

 

وبالتالي، فإن أي تباطؤ واسع النطاق في عمليات الشراء والتصدير خلال بداية الموسم الجديد يمكن أن يثير مخاوف لدى التجار والمصنعين، حتى إذا لم يتحول إلى نقص فعلي في الإنتاج.

 

أزمة التتبع تأتي بعد عام صعب للقطاع

ولا تبدأ كوت ديفوار تطبيق النظام الجديد من أرضية مستقرة تمامًا، ففي يناير 2026، واجه القطاع مشكلة تراكم مخزونات الكاكاو، مع وجود كميات كبيرة تحتاج إلى التسويق والنقل إلى الموانئ، وأعلنت السلطات الإيفوارية حينها خطة لإزالة نحو 123 ألف طن من المخزونات المتبقية، بهدف تسهيل عملية التسويق وحماية المنتجين.

 

كما أعادت الحكومة في فبراير 2026 تنظيم مواعيد موسم التسويق، بحيث تبدأ الحملة الرئيسية في الأول من سبتمبر وتنتهي في 28 فبراير، بينما تبدأ الحملة الصغيرة في الأول من مارس وتنتهي في 31 أغسطس، بهدف تسريع تصريف الإنتاج وإعادة تنشيط عمليات الشراء والتصدير.

 

وهذا يعني أن النظام الإلكتروني الجديد يدخل حيز التنفيذ في وقت تعمل فيه السلطات أصلًا على معالجة تحديات تتعلق بالتسويق والمخزونات وسلاسة حركة المحصول.

 

من حماية الغابات إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية

تتجاوز أهمية اللائحة الأوروبية حدود قطاع الكاكاو؛ فهي جزء من اتجاه عالمي متزايد يربط التجارة الدولية بالمعايير البيئية.

 

وتقول المفوضية الأوروبية إن لائحة المنتجات الخالية من إزالة الغابات تستهدف تقليل إزالة الغابات وتدهور الغابات المرتبط بالسلع الزراعية، مع خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وحماية التنوع البيولوجي.

 

وفي يوليو 2026، أعلنت المفوضية تحديثات وأدوات رقمية جديدة لتسهيل تنفيذ اللائحة، بما في ذلك تطوير نظام المعلومات الذي تستخدمه الشركات لتقديم إقرارات العناية الواجبة.

 

وهنا تظهر معادلة جديدة أمام الدول الأفريقية المصدرة للسلع: الوصول إلى السوق الأوروبية لن يعتمد فقط على حجم الإنتاج أو جودة المنتج، بل أيضًا على القدرة على إثبات مصدره واستدامته رقميًا.

 

هل تتحول القواعد البيئية إلى حاجز تجاري جديد؟

يدافع الاتحاد الأوروبي عن اللائحة باعتبارها أداة بيئية ضرورية للحد من إزالة الغابات، لكن بالنسبة للدول المنتجة، يظل التحدي هو كيفية تنفيذها دون تحميل المنتجين الصغار تكاليف لا يستطيعون تحملها.

 

وفي حالة كوت ديفوار، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا لأن المنتج النهائي يمر عبر شبكة واسعة من المزارعين والوكلاء والتعاونيات والمصدرين قبل وصوله إلى المستهلك الأوروبي.

 

وبالتالي، فإن نجاح النظام لا يعتمد فقط على إصدار بطاقات إلكترونية أو توزيع أجهزة الدفع، وإنما على وجود سلسلة بيانات متصلة تبدأ من المزرعة وتنتهي عند المستورد الأوروبي.

 

وإذا حدث انقطاع في أي حلقة، فقد تصبح شحنة الكاكاو غير قادرة على إثبات امتثالها للقواعد المطلوبة.

 

التصنيع المحلي.. محاولة للخروج من الاعتماد على تصدير الحبوب

في الوقت نفسه، تحاول كوت ديفوار تقليل اعتمادها على تصدير الحبوب الخام من خلال زيادة التصنيع المحلي.

 

وفي يوليو 2026، أعلنت وزارة التجارة الإيفوارية عن مشروع مصنع جديد لمعالجة الكاكاو في سان بيدرو باستثمارات تقارب 15 مليون يورو، وبطاقة أولية تبلغ 15 ألف طن من الحبوب سنويًا قابلة للزيادة إلى 30 ألف طن، مع توقع توفير 110 وظائف مباشرة وأكثر من 250 وظيفة غير مباشرة.

 

وتعكس هذه الخطوة استراتيجية أوسع لإضافة قيمة إلى محصول الكاكاو داخل البلاد بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على تصدير المادة الخام.

 

لكن التصنيع المحلي نفسه سيظل مرتبطًا بالسوق الأوروبية إلى حد كبير، ما يعني أن الامتثال للمعايير الجديدة سيبقى ضرورة حتى بالنسبة للمنتجات المصنعة التي تدخل السوق الأوروبية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة