فى أقصى جنوب غرب محافظة الوادى الجديد، وعلى مقربة من الحدود المصرية الليبية، كانت تختبئ واحدة من أعظم مفاجآت التاريخ الإنسانى، كشفت عن سجل حضاري متكامل يوثق بدايات الفن الإنسانى، ويكشف جانبًا من معتقدات الإنسان القديم وعلاقته بالطبيعة، داخل أغرب كهف سكنه إنسان ما قبل التاريخ وهو كهف الوحوش الذى يظل شاهدًا على حياة الإنسان الأول، حاملاً بين جدرانه أكثر من خمسة آلاف رسم صخرى تعود إلى ما يزيد على ثمانية آلاف عام، لتروى تفاصيل مجتمع عاش فى زمن كانت فيه الصحراء أرضًا خضراء تعج بالأنهار والبحيرات والحيوانات البرية، ويليه كهف السباحين الذى أثار دهشة العالم برسوماته الفريدة، وتحتضنهما جميعًا محمية الجلف الكبير، إحدى أكبر المحميات الطبيعية وأكثرها غموضًا فى مصر وأفريقيا، فكل نقش على جدار، وكل لون ما زال يقاوم الزمن، يحمل رسالة من أجداد عاشوا فوق هذه الأرض الخصبة قبل أن تتحول إلى صحراء قاحلة.
داخل هضبة الجلف الكبير يقع وادى صورة، الذى يعد من أشهر المواقع الأثرية فى العالم، حيث تنتشر الكهوف والملاجئ الصخرية المزينة برسومات تعود إلى العصر الحجرى الحديث، ويعد الوادى بمثابة معرض فنى مفتوح للإنسان القديم، إذ تضم صخوره مئات المشاهد التى تصور الحياة اليومية، والصيد، والاحتفالات، والرقص، والطقوس الدينية، فضلًا عن الحيوانات التى كانت تجوب المنطقة عندما كانت مناخاتها أكثر رطوبة واعتدالًا، وفى عام 2002 تمكن المستكشف الإيطالى ماسيمو فوتشينى والمستكشف المصرى أحمد مستكاوى من اكتشاف كهف جديد داخل وادى صورة، وبعد دخوله فوجئ الباحثان بوجود آلاف الرسومات التى تغطى الجدران والسقف بالكامل، ومن هنا أطلق عليه اسم كهف فوتشينى – مستكاوى، بينما اشتهر عالميًا باسم كهف الوحوش بسبب الرسومات الغامضة التى تشبه مخلوقات أسطورية لم يتمكن العلماء حتى اليوم من تفسيرها بصورة قاطعة، وأثار الاكتشاف اهتمام الجامعات والمراكز البحثية العالمية، التى اعتبرته واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية فى القرن الحادى والعشرين.
وتكشف جدران الكهف عن أكثر من خمسة آلاف رسم ونقش منفذ باستخدام أصباغ طبيعية استخرجها الإنسان القديم من أكاسيد المعادن، وتتنوع الرسومات بين رجال ونساء وأطفال، وحيوانات مثل الزرافات والغزلان والماشية والنعام، إضافة إلى مشاهد الصيد والرعى والاحتفالات الجماعية، كما تظهر رسوم لأشخاص يرفعون أيديهم نحو السماء، وأخرى لأفراد متشابكى الأيدى، وهو ما يرجح ارتباطها بطقوس دينية أو احتفالات جماعية ارتبطت بالمطر والخصوبة، ويرجع السبب الرئيس وراء تسمية الكهف يعود إلى وجود عشرات الرسومات التى تصور كائنات ضخمة بأجساد غير مألوفة، ورؤوس كبيرة وأطراف طويلة، ولا تشبه أى حيوان معروف، ويرى بعض الباحثين أنها تمثل كائنات أسطورية ارتبطت بعقائد الإنسان القديم، بينما يرجح آخرون أنها تصوير لأشخاص يرتدون أقنعة خلال طقوس دينية، أو رموز تجسد قوى الطبيعة، ورغم مرور سنوات طويلة على اكتشاف الكهف، لا يزال هذا اللغز قائمًا، وهو ما يضفى على الموقع مزيدًا من الغموض والإثارة، تؤكد الرسومات الموجودة داخل كهف الوحوش وكهف السباحين أن الصحراء الغربية لم تكن صحراء فى تلك الحقبة، بل كانت منطقة غنية بالمياه والبحيرات والمراعى، وتشير الدراسات المناخية إلى أن شمال أفريقيا شهد خلال العصر الحجرى فترة مطيرة استمرت آلاف السنين، وهو ما وفر بيئة مناسبة لاستقرار الإنسان وانتشار الحيوانات البرية، ومع تغير المناخ تدريجيًا واختفاء الأمطار، تحولت المنطقة إلى صحراء، بينما ظلت الرسومات شاهدة على تلك الحقبة الخضراء.

احتفالات وطقوس دينية

الطريق الى مدخل كهف الوحوش
ألوان الصور لم تتغير منذ آلاف السنين

جانب من صحراء محمية الجلف الكبير

جماعات بشرية وطقوس غير معروفة داخل الكهف
رسوم على الحجر الرملى بنطاق كهف الوحوش

رسوم لكائنات أسطورية داخل الكهف
رسومات عمرها 8000 عام

رسوم لكفوف بشرية داخل الكهف
صور كهف الوحوش

صور من حياة أقدم حضارة بشرية

محيط كهف الوحوش بالجلف الكبير

مدخل كهف الوحوش بالوادى الجديد

مظاهر الرعى عند إنسان ما قبل الحضارات
ملامح حياة الإنسان الأول بالصحراء الغربية
